فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 1285

جميع ماذكرناه في هذا الفصل (آداب يشترك فيها العالم والمتعلم) من إخلاص النية والحرص على الوقت بقطع العلائق، والاشتغال بالأهم والبحث عنه، ثم العمل بعلمه في نفسه وفي الناس، كل هذا لايتمكن العبد من القيام به إلا بالصبر. قال تعالى (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر: 1 - 3، فإذا صبر العبد علي هذا كله نال المنزلة العالية في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فقد قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة: 24، وأما في الآخرة فقد قال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر: 10.

ولا ينفك العالم وطالب العلم محتاجا إلي الصبرفى شتى أحواله:

1 -فيحتاج إلي الصبر علي طول مدة التعلم واحتمال المشقة فيه.

ذكرنا في مسألة (الحرص على الوقت) قول الخطيب البغدادي أن التَّفقُّه لابد له من سنين طويلة، فإذا صبر الطالب على هذا نال المراد وإلا انقطع عن الطلب. والعالم أحوج إلى مواصلة التعلم من الطالب فإن الجهل يُسْتَقْبَح من العالم مالايستقبح من الطالب.

روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن أبى كثير رحمه الله قال (لايُستطاع العلمُ براحة الجسم) أهـ.

وقيل للشعبى: من أين لك هذا العلم كله؟. قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبُكور كبكور الغُراب.

وقال الشاعر:

ألا لاتنال العلم إلا بستّة سأنبيك عن مجموعها ببيان

ذكاءٌ وحرصٌ واصطبارٌُ وبُلغة وإرشادُ أستاذ وطولُ زمانٍ

وأورد ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) باب (الحضّ على استدامة الطلب والصبر على اللأواء والنَّصب) وروى فيه عن الإمام مالك رحمه الله قال [لاينبغي لأحد يكون عنده العلم أن يترك التعلم] .

وروي ابن عبد البر عن نعيم بن حماد قال:[قيل لابن المبارك إلى متى تطلب العلم قال: حتى الممات إن شاء الله، وقيل له مرة أخري مثل ذلك فقال: لعل الكلمة التى تنفعنى لم أكتبها بعد ذلك.

وقال ابن عبد البر. سُئل سفيان بن عيينة مَنْ أحوج الناس إلى طلب العلم، قال: أعلمهم لأن الخطأ منه أقبح.

وقال ابن عبد البر: وكان الشافعي يقول .... وقالوا من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقى في ذل الجهل أبدا.

وقال ابن عبد البر: وقال قتادة: لوكان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام ولكنه قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشدًا] [1] .

ومصداق هذا من كتاب الله تعالى: قوله عز وجل (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) طه: 114، قال العلماء [لم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء إلا العلم] . فإذا كان إمام الأنبياء صلى الله عليه وسلم قد طلب الاستزادة من العلم فكيف بمن دونه من العلماء وطلبة العلم؟.2 - ويحتاج العالم والطالب إلي الصبر على قطع العلائق وتقليلها، ومن هذا القناعة بالقليل من الرزق للتفرغ

(1) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 95 - 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت