المقدمة الرابعة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ٍ على قولين، فالحق في أحدهما ولا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة
والدليل على ذلك:
1 -من كتاب الله قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) آل عمران: 110، والصحابة هم أول من يدخل في هذا النص، فلابد أن يكون المعروف والحق في أقوالهم وإن اختلفت فالحق لايخرج عنها. [1] .
2 -ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله) وفي رواية (لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) الحديث، وهو حديث الطائفة المنصورة المتفق عليه المشهور. فلابد أن يكون في كل عصر قائل بالحق قائم بأمر الله.
3 -ومن الإجماع: الإجماع على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة [2] .
ومن أقوال العلماء في هذه المسألة:
قال الخطيب البغدادي رحمه الله [لو اختلف الصحابة بمسألة على قولين وانقرض العصر عليه، فإنه لايجوز للتابعين إحداث قول ثالث، لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواه، فكما لم يجز إحداث قول ٍ ثان فيما أجمعوا فيه على قول ٍ، لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين. ثم روي الخطيب بإسناده عن عمر بن عبدالعزيز قوله: سَنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام وولاة الأمر بعده سُننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولاتبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سَنّوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا] [3] .
قال ابن تيمية رحمه الله [الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب] [4] .
ونقل السيوطي عن القاضي عبد الوهاب من المالكية قوله [تواترت الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتي أمر الله» فأعلمنا عليه الصلاة والسلام بذلك إنه لايخلو عصر من أعصار المسلمين من قائم لله بالحق وداع إلى الهدى فوجب إحالةُ ماخرج عن ذلك، وقد أخرج هذا الحديث مخرج المدح لأمته والتعظيم لشأنها في كل عصر، وأن الحق لايخرج عن خلافها إذا اختلفت، فإما أن يقوم جميعهم بالحق أو بعضهم] [5] .
وفي الجملة فإن العلماء لم يختلفوا في أن الحق لايخرج عن قول الصحابة، فإن أجمعوا فإجماعهم حجة قطعية، وإن اختلفوا فالحق في قول بعضهم ويُعلم هذا بالرد إلى الكتاب والسنة، ولايجوز الخروج عن أقوالهم، وقال بهذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فيما نقله ابن عبدالبر [6] ، وبه قال الشافعي نقله عنه البيهقي كما قال ابن القيم [7] ، وبه قال أحمد ابن
(1) (منهاج السنة) لابن تيمية، 8/ 345
(2) (مجموع فتاوى ابن تيمية) 27/ 373
(3) (الفقيه والمتفقه) 1/ 173
(4) (مجموع الفتاوى) 34/ 125
(5) (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 108 - 109، ط دار الكتب العلمية 1403هـ
(6) (جامع بيان العلم) 2/ 26
(7) (اعلام الموقعين) 4/ 122