فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 1285

لما كان حفظ الوقت والحرص عليه من أهم علامات طالب العلم، فاعلم أن طالب العلم لايكتمل فلاحه إلا إذا شغل هذا الوقت بالعلم النافع، فإن العلوم تتفاوت مراتبها، فإذا شغل وقته بغير النافع من العلوم فهو مغبون إذ إن الوقت هو رأس ماله في طلب العلم وقد ضيّعه فيما لاينفع، وعكسه بعكسه وهو الرابح الشاكر للنعم.

وقد دل الكتاب والسنة على تقسيم العلوم إلى نافع وغير نافع

1 -فمن كتاب الله تعالى:

في العلم النافع، قال تعالى (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) طه: 114.

وفي غير النافع، قال تعالى (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ) البقرة: 102، وقال تعالى (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) غافر: 83.

2 -ومن السنة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لاينفع) [1] .

وقال صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع ومن قلب لايخشع ومن نفس لاتشبع ومن دعوة لا يُستجاب لها) [2] .

ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله هذه الأحاديث وغيرها وقال [ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع والاستعاذة من العلم الذي لاينفع وسؤال العلم النافع] [3] .

والخلاصة: أن العلم علمان: علم نافع وعلم غير نافع، ثم إن العلم النافع قسمان: فاضل ومفضول

والواجب معرفة النافع ثم البدء بتعلم الفاضل منه (أي الأهم) فما دونه، ويدل على هذا الترتيب قول النبي صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن - (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ماتدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلّوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيِّهم فتُرد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخُذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس) [4] . فدلّ الحديث على وجوب تقديم الأهم على مادونه في الأهمية، خاصة إذا كان مابعده لايصح إلا به.

وبعد هذه الاستدلالات النَّصيَّة نذكر أقوال بعض السلف في التنبيه على الاشتغال بالأهم من العلوم:

1 -قال ابن عبدالبر رحمه الله: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (العلم أكثر من أن يُحاط به فخذوا منه أحسنه) . وعن الشَعبي مثله. وأنشد محمد بن مصعب لابن عباس:

ماأكثر العلم وماأوسعه .. من ذا الذي يقدر أن يجمعه

إن كنت لابد له طالبا .. محاولا فالتمس أنفعه [5] .

2 -وقال الشاطبي رحمه الله [من العلم ماهو من صُلْب العلم، ومنه ماهو من مُلَح العلم لا من صلبه، ومنه ماليس من صلبه ولا مُلَحه، فهذه ثلاثة أقسام. القسم الأول هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد

(1) رواه ابن حبان بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه

(2) رواه مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه

(3) (فضل علم السلف على علم الخلف) لابن رجب، ط دار الأرقم 1404هـ، ص 17

(4) متفق عليه واللفظ للبخاري (حديث 7372)

(5) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 105 - 106

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت