يُصلي المكتوبة، ثم يجلس فيعلِّم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فضل هذا العالم الذي يُصلي المكتوبة ثم يجلس فيُعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدْناكم) [1] .
3 -المقدمة الثالثة: أن الاشتغال بالفاضل أولى من الاشتغال بالمفضول، لأن الأول أعظم أجرًا، وقد قال الله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ) الحديد: 21، ولقوله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) آل عمران: 133، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (احرص على ماينفعك) [2] ، فدَلَّ هذا على ترجيح الاشتغال بالأثْوب.
بناءً على هذه المقدمات الثلاث: أن الطاعات متفاضلة، وأن العلم أفضل من نوافل العبادة، وأن الاشتغال بالفاضل مقدم على الاشتغال بالمفضول. يكون الاشتغال بالعلم أرجح من الاشتغال بنوافل العبادة.
وقد أفرد النووي رحمه الله لهذه المسألة بابا، ذكر فيه بعض الآثار ثم قال [وجاء عن جماعات من السلف ممن لم أذكره نحو ماذكرته، والحاصل أنهم متفقون على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن، ومن دلائله سوى ماسبق أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين والنوافل المذكورة مختصة له ولأن العلم مُصَحِّح فغيره من العبادات مفتقر إليه ولاينعكس، ولأن العلماء ورثة الأنبياء ولايوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم مقتد به مقلد له في عبادته وغيرها واجب عليه طاعته ولاينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه والنوافل تنقطع بموت صاحبها. ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية أعني العلم الذي كلامنا فيه فكان أفضل من النافلة] [3] .
وتعلق هذه المسألة (ترجيح الاشتغال بالعلم على النوافل) بمسألة حفظ الوقت هو من باب شغل الوقت بالأرجح والأكثر فائدة.
والمتأمل في سِيَر العلماء الصالحين من السلف يجدهم من أشد الناس عملًا بالنوافل واجتهادًا فيها، وكان الله تعالى يبارك لهم في أوقاتهم وفي علمهم بإخلاصهم رحمهم الله جميعا، وإنما أردنا بإيراد هذه المسألة تنبيه طالب العلم عليها إذا احتاج للعمل بها. مع التنبيه على أنه لايدخل في هذا ترك أداء السنن الراتبة، فإن ترك أدائها مما يجرح عدالة العبد كما سيأتي في تعريف (العدالة) في الفصل التالي في (علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء) إن شاء الله تعالى. وإنما النوافل التي يُقدَّم الاشتغال بالعلم عليها مثل: كثرة صلاة النوافل المطلقة والإكثار من الأذكار أو المداومة على صوم التطوع بما يُضْعِف الطالب عن الدراسة، والله تعالى أعلم.
وبهذا نختم الكلام في الأدب الثاني من آداب العالم والمتعلم وهو الحرص على الوقت.
(1) رواه الدارمي
(2) رواه مسلم
(3) (المجموع) ج 1 ص 20 - 22