المقدمة الثامنة: قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا ليس قصرًا للنص العام على سببه
فقد تبين من المقدمة السادسة أن اللفظ العام الوارد على سبب حُكمه يعُم كل مايشمله اللفظ ما لم يقم دليل يوجب قصر الحكم على السبب، أي أن (العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب) .
ويترتب على هذا معرفة أن قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا هو بيان منه لسبب النزول وليس قصرًا لحكم النص العام على هذا السبب، إذ قد ثبت بالأدلة المذكورة في المقدمة السادسة أن العبرة بعموم اللفظ.
وفي بيان هذا قال ابن تيمية رحمه الله[ومن ذلك قولهم: إن «هذه الآية نزلت في فلان وفلان» فبهذا يُمَثِّل بمن نزلت فيه - نزلت فيه أولًا وكان سبب نزولها - لايريدون به أنها آية مختصة به، كآية اللعان، وآية القذف، وآية المحاربة، ونحو ذلك. لايقول مسلم إنها مختصة بمن كان نزولها بسببه.
واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي هو سببه - لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع.
فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت، وآية اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم ابن عدي، أو هلال بن أمية: وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا كفار قريش، ونحو ذلك ممالا يقوله مسلم ولاعاقل.
فإن محمدًا عليه الصلاة والسلام قد عرف بالاضطرار من دينه أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن، والله تعالى خاطب بالقرآن جميع الثقلين، كما قال: (لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) الأنعام: 19. فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول به. والإنذار هو الإعلام بالمخوف، والمخوف - هو العذاب - ينزل بمن عصى أمره ونهيه.
فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن أنه إن لم يطعه وإلا عذبه الله تعالى، وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى.] [1]
وقال ابن تيمية أيضا [وقد يجئ كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لاسيما إن كان المذكور شخصًا، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت. وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله. وأن قوله: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 49 نزلت في بني قريظة والنضير، وأن قوله: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) الأنفال: 16 نزلت في بدر، وأن قوله: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) المائدة: 106 نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب إن قوله: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة: 195 نزلت فينا معشر الأنصار، الحديث، ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين.
فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لايقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية مايقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم مايشبهه، ولايكون العموم فيها بحسب اللفظ.
والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضًا.
ومعرفة «سبب النزول» يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء إنه إذا لم يعرف مانواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها.
(1) (مجموع الفتاوى) 16/ 148 - 149