هذا الموضوع، والموضوع التالي (أحكام أهل الذمة) كلاهما متعلق بالموضوع السابق (الحكم بغير ما أنزل الله) باعتباره الباعث على الكلام فيهما.
(تمهيد) وفي موضوعنا هذا نقول:
إن تحاكم المسلمين إلى الشريعة - في نوازلهم وخصوماتهم - واجب يدخل في أصل الإيمان، وتركه - إذا وجب وكان مستطاعًا - كفر، لقوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65.
وأكثر المسلمين في غفلة عن هذا الواجب الشرعي، مع استسلامهم لتحكيم قوانين الكفر في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ومن يعي هذا الواجب منهم يظن القيام به مستحيلا مع تطبيق قوانين الكفر في بلادهم، وليس الأمر كذلك.
فإن المسلمين مازال بوسعهم التحاكم إلى الشريعة في نوازلهم وخصوماتهم رغم تطبيق قوانين الكفار في بلادهم، وذلك بتحاكمهم بالتراضي إلى مؤهل للحكم منهم، من عالم وطالب علم ٍ حسب المستطاع، ومادام ذلك ممكنا فهو واجب لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن:16، ولقوله عليه الصلاة والسلام (وما أمرتكم به فأتوا منه مااستطعتم) [1] .
وهذه المسألة - وهي تحاكم المسلمين بالتراضي إلى مؤهل للحكم - تُعرف في كتب الفقه بمسألة (التحكيم) ، وذلك في مقابل (التقاضي) إلى القاضي الموَلَّى من جهة إمام المسلمين.
والتحكيم جائز في وجود القاضي الموَلَّى في دار الإسلام، وواجب في غياب القاضي الشرعي المُوَلَّى كما هو الحال في شتى بلدان المسلمين اليوم. وسأذكر فيما يلي أقوال العلماء في حُكْم التحكيم في هذين الحالين، ثم اُتبعها ببيان ما يجب من ذلك على المسلمين في هذا الزمان.
أولا: بيان جواز التحكيم مع وجود القاضي الشرعي الموَلَّى في دار الإسلام
ففي دار الإسلام التي تعلوها أحكام الشريعة ويحكمها إمامٌ مسلمٌ، ويتولى فيها القضاة ُ المُعَيَّنون من جهة الإمام الحكمَ بين الناس، يجوز للمسلمين أن يتحاكموا إلى رجل ٍ مؤهل ٍ للقضاء برضاهم بخلاف قاضي الإمام، وتلزمهم أحكام هذا الحَكَم. ولم يختلف العلماء من سائر المذاهب في جواز ذلك من حيث المبدأ، وإنما اختلفوا فيما يجوز التحكيم فيه من الخصومات والنزاعات، وهل يجوز للحَكَم أن يحكم في سائر مايقضي فيه القاضي المُوَلَّى أم لايجوز له ذلك إلا في بعض الأمور؟. وسوف ترى من كلام العلماء أن اختلافهم فيما يجوز التحكيم فيه مرجعه إلى وجود القاضي المُوَلَّى، وأن ماتشتد فيه الخصومة رأي بعضهم ألا يحكم فيه إلا القاضي المولَّى، وعلى هذا فإن الخلاف فيما يجوز فيه التحكيم ينبغي أن يرتفع مع غياب قاضي الإمام. كذلك سترى أيضا أن التحكيم فيه رفع للمشقة عن الناس وعن القاضي في دار الإسلام، فليس كل أهل دار الإسلام بإمكانهم الترافع إلى القضاة دون مشقة كأهل البوادي ونحوهم، فإذا حكّموا مؤهلًا من بينهم ارتفعت عنهم مشقة الرحلة وخفّ العبء عن القاضي، وهذا ماأشار إليه القاضي أبو بكر بن العربي [2] .
وإليك أقوال العلماء من مختلف المذاهب في جواز التحكيم مع وجود القاضي المولَّى في دار الإسلام:
1 -قال ابن ضويان الحنبلي في شرح الدليل (فلو حكَّم اثنان فأكثر بينهما شخصا صالحا للقضاء: نَفَذَ حُكْمه في كل ماينفذ فيه حكم من وَلاَّه الإمام أو نائبه) لحديث أبي شريح رضي الله عنه، وفيه أنه قال (يارسول الله إن قومي إذا اختلفوا
(1) الحديث متفق عليه
(2) (أحكام القرآن) ص 622 - 623