الموضوع الأول: بيان جهود علماء السلف في حفظ السُّنة.
لما كانت علوم الحديث المختلفة هي حصيلة جهود علماء السلف في حفظ السنة، فإنه يحسن بطالب العلم أن يقف على هذه الجهود بإيجاز، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
كان المسلمون يتناقلون حديث النبي عليه الصلاة والسلام شفاهة ودون نظر في إسناده، لكراهتهم لكتابة الحديث ولشيوع الأمانة في الرواة، وذلك في النصف الأول من القرن الهجري الأول. ومع أواخر القرن الأول حدث تطوران في هذا الشأن:
أحدهما: شيوع كتابة الحديث، مع الاتفاق على جواز كتابته، ومع خشية النسيان، وقد ذكرنا في كتابنا هذا من قبل أَمْر عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه بجمع الحديث وكتابته أثناء مدة خلافته (99 - 101 هـ) . وروى البخاري قال: وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم] انظر ماكان من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام فاكتبه، فإني
خفت دروس العلم وذَهَاب العلماء [الحديث، وكان أبو بكر بن حزم عامل عمر على المدينة، وقال ابن حجر - في شرحه - وقد روى أبو نعيم هذه القصة في تاريخ أصبهان بلفظ] كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام فاجمعوه [ (1) . وأخذ العلماء في كتابة الحديث، وكان كل منهم يكتب محفوظاته أو ينتقي منها مايطمئن إليه فيكتبه بسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. واختلفت طرائقهم في الكتابة فمنهم من جمع أحاديث كل صحابي على حدة وسميت هذه بالمسانيد (جمع مُسنَد) ، ومنهم من جمع أحاديث كل باب من أبواب العلم والفقه على حدة وسُميت هذه بالموطَّآت والمصنفات والجوامع والسنن - وسنذكر الفروق بينها فيما بعد، ومن العلماء من كتب في صنوف العلم الأخرى كالتفسير والفقه وساق الأحاديث فيها بأسانيده الخاصة. وكل هذه تسمى (بكتب السنة الأصلية) وهي الكتب التي يذكر مؤلفوها الأحاديث بأسانيدهم الخاصة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام سواء كانت مُصَنفةً في الحديث خاصة أو في غيره من العلوم. وظلت هذه طريقة العلماء في كتابة الحديث إلى قرب منتصف القرن السادس الهجري، وهنا طالت الأسانيد وكثر الرواة فاكتفي كثير من العلماء بعد ذلك بذكر الحديث في مصنفاتهم مع عَزْوِه لأحد العلماء الثقات السابقين الذين رووه، كأن يذكر الحديث ويقول رواه البخاري، وسُميت كتب المصنفين الذين يعزون الأحاديث إلى غيرهم (بكتب السنة التابعة) ، وكان أصحابها يحرصون على أن تكون لهم رواية متصلة الإسناد لكتب السنة الأصلية، ثم اكتفي العلماء بعد ذلك باشتهار هذه الكتب وانتشارها بما أوجد الثقة بها، كما ذكرناه في (الوجادة) في الفصل الثالث من الباب الثالث من هذا الكتاب.
وسُمي العلم المختص برواية أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وتدوينها علم رواية الحديث، وكُتُبه كما ذكرنا أعلاه إما مروية بأسانيد مؤلفيها (وهي كتب السنة الأصلية) وإما مَعْزُوَّة إلى هذه (وهي كتب السنة التابعة) .
التطور الثاني الذي حدث مع نهاية القرن الأول الهجري هو السؤال عن إسناد الأحاديث والبحث في أحوال رواتها (رجال السند) ، وذلك مع ظهور الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام ووضع الأحاديث المكذوبة.