آداب الباطن هي مايسمى بالرقائق أو الرقاق، وهي من أعمال القلب، أما آداب الظاهر فهي مايسمى بالآداب الشرعية وهي من أعمال اللسان والجوارح.
وقد قدمنا آداب الباطن على آداب الظاهر في الترتيب، لأن عمل القلب هو الأصل الباعث على أعمال اللسان والجوارح، يدل على هذا قول رسول الله عليه الصلاة والسلام (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحت صَلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [1] .
(فصل) والمقصود من دراسة هذه الآداب أمران:
الأمر الأول: العمل بها، أي أن يعمل بها الإنسان في خاصة نفسه. والناظر في أحوال الناس عامة وأحوال المتدينين منهم والمشتغلين بالعمل الإسلامي خاصة يجد أن كثيرًا من مشاكلهم وخلافاتهم ترجع إلى سوء الأخلاق وأمراض القلوب وسوء الأدب، وكان حرص السلف على تعلم الأدب مثل أو أشد من حرصهم على تعلم العلم، وذكرت طائفة من أقوالهم في ذلك في أول الفصل الثاني من الباب الرابع، فلا خير في علم بلا أدب، ولاخير فيمن لم يجاهد نفسه ليعمل بعلمه، قال تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف: 3.
والأمر الثاني: تعليم هذه الآداب للغير، خاصة من يجب على المرء أن يعلمهم كأبنائه وزوجته ومن هم في مسئوليته لقوله عليه الصلاة والسلام (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) [2] . ثم تعليمها لغيره من المسلمين سواء اتخذ هذا التعليم صورة النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو اتخذ صورة التدريس للطلاب أو صورة تأليف الكتب وغير ذلك.
ونعود للكلام في المقصود الأول من دراسة الآداب، وهو العمل بها في خاصة نفس الإنسان، فلا يكفي للعمل بالآداب مجرد العلم بها بل لابد من مجاهدة النفس لحملها على الآداب الحميدة ولتغيير ماألفته من السلوك المذموم، ومن أهم مايعين الإنسان على ذلك الصحبة الصالحة. فهذه ثلاثة أشياء ونشرحها بإيجاز فنقول:
(فصل) فيما يحتاج إليه الإنسان لاكتساب الآداب المحمودة
تحدثت في هذه المسألة بشئ من التفصيل في كتابي (العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى) ، وأوجز هنا فأقول يلزمه - وكما سبقت الإشارة - ثلاثة أشياء: العلم والمجاهدة والصحبة الصالحة.
1 -أما العلم بالآداب المحمودة: فلابد للانسان من تعلمها، فإن الأصل في الإنسان الجهل كما قال تعالى (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: 72، وقال تعالى (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل: 78. فخلق الله الإنسان جاهلا (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) وزوّده بوسائل التعلم (الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) ليتعلم الحق، وذمّ سبحانه من لم يستعمل هذه الوسائل فيما يرضي الله تعالى، فقال جل شأنه (وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: 179.
وقد تقدم في أول الباب الثاني من هذا الكتاب بيان وجوب العلم قبل القول والعمل، فلا نعيده هنا، وذلك لأن متابعة الشريعة هي أحد ركني صحة العمل وقبوله - والركن الآخر هو الاخلاص - ولايمكن المتابعة إلا بالعلم، وإلا فسد
(1) الحديث متفق عليه
(2) الحديث متفق عليه