العمل لقوله عليه الصلاة والسلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) [1] . والخلاصة أنه لابد من تعلم الآداب المحمودة للعمل بها، ولايغني العلم وحده.
2 -وأما المجاهدة: فهي حمل النفس على خلاف المألوف لها، بحملها على المكاره والتكاليف الشرعية الثقيلة، قال تعالى چ ٹ ٹ ٹ ٹ ? چ المزمل: 5، وقال عليه الصلاة والسلام (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) [2] . ولايخفى أن حمل النفس على المكاره والتكاليف الثقيلة يستلزم مجاهدتها في ذلك.
قال ابن حجر رحمه الله في شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [ونقل القشيري عن شيخه أبي علي الدقاق: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريق شمّة] ، وقال ابن حجر [قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها] [3] .
وطريق المجاهدة بفطم النفس عن المألوفات وحملها على غير هواها يكون بتدريبهاعلى ذلك على التدرج لتتخلص من الرذائل وتكتسب الفضائل شيئا فشيئا حتى تعتادها وتصبح من سجاياها بلا تكلف، فالحِلم بالتحلم، والصبر بالتصبر، والاستعفاف بالتعفف، وهكذا تحصل سائر الفضائل.
وتعتبر المحاسبة ركنًا مكملًا للمجاهدة، فبالمحاسبة يزن المرء أعماله أولا بأول ويدين نفسه، فيبادر بسد الخلل وتقويم العوج.
واعلم أن المجاهدة لاتسهل على الإنسان حتى يتخلص من حظوظ نفسه الدنيوية، فيقنع بالقليل ويعزف عن طلب الجاه والمنصب والسمعة، فإن فعل هان عليه كل شئ في ذات الله وسهلت عليه المجاهدة، ولايتمكن من التخلص من حظوظ النفس إلا بالزهد وقصر الأمل، فإن الحرص وطول الأمل من مداخل الشيطان إلى الإنسان كما فعل مع آدم عليه السلام، قال تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) طه: 120. وقد حضّ رسول الله عليه الصلاة والسلام على الزهد وقصر الأمل في قوله لابن عمر [كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل] وكان ابن عمر يقول [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك] [4] . ومعناه أن الدنيا ليست بدار إقامة وإنما هي مَعْبَر إلى الآخرة ونحن مسافرون فيها، والمسافر لايتعلق من المتاع إلا بأقل القليل ولايحدّث نفسه بالإقامة بعيدًا عن داره ومستقره بل هو متأهب دائما للرحيل، فالناصح لنفسه مَن تعلق مِن الدنيا بالقليل، وتزود منها بما ينفعه في الآخرة والتي خير زادها التقوى. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
3 -وأما الصحبة الصالحة: فهي معينة على الأمرين السابقين: العلم والمجاهدة، فمن هذه الصحبة يتعلم المرء كثيرًا من الفضائل، كما تعينه هذه الصحبة على المجاهدة بسدها عليه ذرائع الفساد، وبتذكيرها أياه كلما قصّر أو غفل، وبكونها قدوة له.
وأفضل الصحبة الصالحة ماكان في منشأ الإنسان، بأن ينشأ في أسرة صالحة تعلمه أمور دينه وتُربّيه عليها، فإذا أكرمه الله بهذا صار الخلق الكريم سجيّة له بلا تكلف.
فإذا عَدِمَ المرء هذا وابتلاه الله بمنشأ سوءٍ يصده عن سبيل الله، فإنه يجب عليه أن يتحول عنه وأن يبحث عن الصحبة
(1) رواه مسلم
(2) متفق عليه
(3) (فتح الباري) 11/ 338. والقشيري وشيخه الدقاق كلاهما من أئمة الصوفية
(4) رواه البخاري