إذا كنا قد ذكرنا في الفصل السابق أن تكليف الله لخلقه - الذي يترتب عليه الثواب والعقاب - يقع بالحجة الرسالية. فالحجة الرسالية هي ما بُعث به الأنبياء من العلم الذي أوحاه الله إليهم.
والعلم الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم هو القرآن ثم ما دَلّ عليه من الأدلة الشرعية الأخرى كالسّنة والإجماع والقياس الصحيح.
1 -أما القرآن فهو أصل الحجة الرسالية.
• قال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) الأنعام: 19.
• وقال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ) التوبة: 6.
• وقال تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً) البينة: 1 - 2.
• وقال تعالى (بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الزمر: 59.
فدلّت هذه الآيات على أن الإنذار والبينة والحجة قائمة بالقرآن الذي هو كلام الله وآياته، والذي مَن كذب به أو استكبر عن اتباعه كان من الكافرين.
• ولهذا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) [1] .
إذا ثبت هذا:
فإن أركان الإيمان الستة: وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وأركان الإسلام الخمسة: وهي الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج.
والمحرمات القطعية: كالزنا والخمر والربا والسرقة والكذب وغيرها.
كل هذه قد جاءت في القرآن صريحة واضحة بأسلوب مُيَسَّر يفهمه العالم والجاهل، وتكررت في مواضع كثيرة من القرآن بما لا يدع لأحد حجة في مخالفتها.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما [التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله فمن ادعى علمه فهو كاذب] [2] .
وقال تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر: 17.
وقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: 24. وفي تفسير هذه الآية قال الشنقيطي رحمه الله [اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبر هذا القرآن العظيم، وتفهمه والعمل به. لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة، وأن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة عندهم التي لم يستند اشتراط كثير منها إلى دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس جلي، ولا أثر عن الصحابة، قول لا مستند له من دليل شرعي أصلا.
بل الحق الذي لا شك فيه، أن كل من له قدرة من المسلمين. على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما.
(1) الحديث رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري
(2) رواه ابن جرير بإسناده عنه. انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 13 ص 375و 384