فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1285

أما العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوع إجماعًا.

وأما ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح، فله أن يعمل به، ولو آية واحدة أو حديثًا واحدًا.

ومعلوم أن هذا الذم والإنكار على من لم يتدبر كتاب الله عام لجميع الناس.

ومما يوضح ذلك أن المخاطبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مستكملا لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول، بل ليس عندهم شيء منها أصلا. فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالاصطلاح الأصولي لما وبخ الله الكفار وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، ولما أقام عليهم الحجة به حتى يحصلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين، كما ترى.

ومعلوم أن من المقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وإذًا فدخول الكفار والمنافقين، في الآيات المذكورة قطعي، ولو كان لا يصح الانتفاع بهدي القرآن إلا لخصوص المجتهدين لما أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله، وعدم عملهم به.

وقد علمت أن الواقع خلاف ذلك قطعًا، ولا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نصوص صحيحة، من الكتاب والسنة، لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، حتى تشترط فيها شروط الاجتهاد، بل ليس فيها إلا الاتباع. - إلى أن قال - فالقول بمنع العمل بما علم من الكتاب والسنة، حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين، من الانتفاع بنور القرآن، حتى يحصلوا شرطًا مفقودًا، في اعتقاد القائلين بذلك، وادعاء مثل هذا على الله وعلى كتابه وعلى سنة رسوله هو كما ترى.] [1] .

فهذا ما يتعلق بالحجة القرآنية، وهي أول الأدلة الشرعية.

2 -أما الدليل الثاني: فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد أرشد إلى وجوب اتباعها والعمل بها اللهُ تعالى في كتابه، فقال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران: 32، وقال تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) النساء: 80، ونحوها من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك باتباع سنته، وقد بلغت نحو مائة آية.

وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبَيّن عن ربّه، بتفصيل ما أجمله الله في القرآن، قال تعالى (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل: 44، وقال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) النساء: 105.

3 -وكذلك الإجماع وهو الدليل الثالث.

دل على وجوب اتباعه:

كتاب الله في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59.

والسنة: في الأحاديث الآمرة بوجوب ملازمة جماعة المسلمين والأحاديث الدالة على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. وقال الشافعي رحمه الله في (الرسالة) إن ملازمة جماعة المسلمين بالأبدان في كل حين غير ممكنة فلم يبق إلا ملازمة ما اجتمعوا عليه من العلم.

4 -وأما القياس الصحيح، فهو حجة عند جماهير العلماء خلافًا للظاهرية، واستوفى الكلام في حجيته ابن القيم في

(1) (أضواء البيان) 7/ 430 - 434

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت