لم تكن علوم اللغة العربية مدونة في صدر الإسلام لاستقامة اللسان من جهة الإعراب والمعاني والبيان، فلم تدع الحاجة إلى تدوين شئ من ذلك. فلما اتسعت الفتوحات في بلاد العجم من الفرس والروم وأسلم كثير من أهل هذه البلاد وتكلموا بلغة العرب لحاجتهم إلى تعلم الكتاب والسنة من جهة ولحاجتهم إلى التعامل مع العرب من جهة أخرى، لم يتكلم العجم بلغة العرب على الوجه الصحيح، كما أن سكنى العرب بين العجم في الأمصار المفتوحة أفسدت لسانهم الأصلى. فدخل الفساد على اللسان العربي من جهة اللحن تارة ومن جهة استخدام الألفاظ تارة ومن جهة البيان والفصاحة تارة أخرى، فألهم الله تعالى علماء الأمة وضع قوانين للغة العرب التي هي لغة الكتاب والسنة، وهذا مما حفظ الله تعالى به دينه الخاتم كما قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 9، فقد قضى سبحانه بحفظ هذا الدين لتبقي حجته على خلقه مصونة من التحريف والتبديل إلى يوم القيامة، وحِفْظ لغة العرب من حِفْظ الدين لأن للوسائل حكم المقاصد، فألهم الله تعالى فريقًا من العلماء القيام على حفظها وكان هذا بتدوين علوم اللسان العربي والتي انحصرت في أربعة علوم وهي: النحو واللغة والبيان والأدب، ولكل موضوعه وثمرته. وهي حسب ترتيب تدوينها تاريخيًا.
1 -علم النحو:
أ - وموضوعه: ضبط أواخر الكلمات إعرابًا وبناء بحسب موقعها من الجملة على نحو مايتكلم به العرب. ومعنى النحو أي القصد أو المثل، وسمي العلم بهذا الإسم لقصد المتكلم أن يتكلم مثل العرب، كما يسمى هذا العلم أيضا بعلم الإعراب. وعلى هذا فإنه يدخل في موضوع هذا العلم تمييز الإسم من الفعل من الحرف، وتمييز المعرب من المبني، وتمييز المرفوع من المنصوب من المخفوض من المجزوم، مع تحديد العوامل المؤثرة في هذا كله، وقد استُنبط هذا كله من كلام العرب بالاستقراء، وصار كلام العرب الأول شعرًا ونثرًا - بعد نصوص الكتاب والسنة - هو الحجة في تقرير قواعد النحو في صورة ماعرف بالشواهد اللغوية، وهو مااستشهد به العلماء من كلام العرب لتقرير القواعد.
ب - وثمرة هذا العلم: هو في تحمل اللغة وآدائها من جهة علاقة الإعراب بالمعنى.
• والمقصود بالتحمل هنا: فهم المقصود من كلام الغير بحسب إعرابه، فيميز المُسند من المسند إليه، والفاعل من المفعول، وغير ذلك مما يؤدي إهماله إلى قلب المعاني.
• والمقصود بالأداء: أن يتكلم المرء بكلام معرب يُناسب المعاني التي يريد التعبير عنها، ويتخلص من اللحن الذي يقلب المعاني، فيتمكن بذلك من إفهام الغير.
ج - وواضع هذا العلم: لم يختلف المؤرخون في أن واضع أساس هذا العلم هو التابعي أبو الأسود الدؤلي 67ه، وقيل إن هذا كان بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم كتب الناس في هذا العلم بعد أبي الأسود إلى أن أكمل أبوابه الخليل بن أحمد165ه، وذلك في زمن هارون الرشيد، وأخذ عن الخليل تلميذه سيبويه (أبو بِشر عمرو بن عثمان بن قنبر) 180 هـ الذي أكثر من التفاريع ووضع الأدلة والشواهد من كلام العرب لقواعد هذا العلم. وأصبح (كتاب