فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 1285

قد علمنا مما سبق صفة الحجة وأنها الأدلة الشرعية المعتبرة، وصفة من يقيمها، وهنا نتكلم في صفة إقامتها.

وضابط صفة إقامة الحجة: هو أن تبلغ المكلّف (المخاطَب) على وجه يمكنه به فهمها.

وهذه الصفة تُستوفى بشرطين:

1 -الشرط الأول: أن تصل الحجة للمخاطَب بِلُغته، وإذا اقتضى ذلك الترجمة فتكون واجبة. ودليل ذلك:

قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم: 4.

وهل تجب الترجمة على من يقيم الحجة أم على المخاطب بها؟.

والجواب: أنه قد وردت الأدلة بهذا وهذا.

فمن الأول: ما رواه البخاري في كتاب العلم عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس. [1] ، وهو حديث وفد عبد القيس.

ومن الثاني: ما رواه البخاري في بدء الوحي عن ابن عباس في حديث هرقل، لما أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابه يدعوه إلى الإسلام، وفيه قال (فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال) [2] .

قال ابن تيمية رحمه الله [ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، وكما أمر بذلك الرسول ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمة لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان. والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني، فيكون ذلك من تمام الترجمة.] [3] .

2 -الشرط الثاني: أن تكون الحجة مفصّلة مُبَيّنة.

وهذا هو المراد بالبلاغ المبين في قوله تعالى (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) النحل: 35، وقال تعالى (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) المائدة: 92، وقال تعالى (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) التوبة: 115. ومثلها آية النور 54، والتغابن 12.

وصفة البلاغ المبين هي كما قال ابن تيمية رحمه الله [وقوله تعالى (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ) التوبة: 6، قد علم أن المراد أنه يسمعه سمعًا يتمكن معه من فهم معناه، إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى، فلو كان غير عربي لوجب أن يترجم له ما تقوم به عليه الحجة، ولو كان عربيًا وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست من لغته، وجب أن نبين له معناها، ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه، فعلينا ذلك. وإن سألنا عن سؤال يقدح في القرآن أجبناه عنه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أورد عليه بعض المشركين أو أهل الكتاب أو المسلمين سؤالا يوردونه على القرآن. فإنه كان يجيبهم عنه.] إلى آخر ما ذكره [4] .

ووصف ابن حزم البلاغ المبين بقوله [وصفة قيام الحجة هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها] [5] .

فابن حزم أوجز في حين فصّل ابن تيمية، فإقامة الحجة والبلاغ المبين ينبغي أن يكون مفصلًا.

(1) الحديث (87)

(2) الحديث (7)

(3) (مجموع الفتاوى) 4/ 116 - 117

(4) (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) 1/ 68 - 69

(5) (الإحكام) 1/ 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت