5 -وأما أنه لا يشترط فيمن يقيم الحجة أن يكون ذا سلطان.
فلأن الحجة قامت بالرسل على أقوامهم، وكان كثير من الرسل مستضعفين في أقوامهم:
كما قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) يس: 30، وقال تعالى - في وصف فرعون لموسى - (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) الزخرف: 52، وقال تعالى - حكاية عن قوم شعيب - (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) هود: 91، وقال تعالى - حكاية عن لوط عليه السلام - (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) هود: 80.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن كثيرًا من الرسل كانوا مستضعفين لم يكونوا ذوي سلطان في أقوامهم، وقد قامت الحجة بهم مع ذلك كما قال تعالى (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء:165.
أما إقامة الحجة من السلطان أو نوابه من القضاة فهذا شرط لاستيفاء العقوبة ممن أذنب في دار الإسلام. وهذا محل إجماع بين العلماء - وسيأتي الكلام فيه في شرح قاعدة التكفير في مبحث الاعتقاد بالباب السابع - أن الحكم على المعينين واستيفاء العقوبة منهم في دار الإسلام إنما هو للسلطان ونوابه لا لآحاد العامة.
فهناك فرق بين إقامة الحجة وبين الحكم واستيفاء العقوبة.
وبلفظ آخر: هناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فمن قامت عليه الحجة بخبر الواحد العالم العدل المعروف ولم يعمل بموجب هذه الحجة فهو معذّب في الآخرة بذنبه، أما إذا كان ذنبه هذا فيه عقوبة دنيوية فإن الحكم عليه واستيفاء العقوبة منه إنما هو للسلطان ونوابه في دار الإسلام [1] .
هذا ما يتعلق بصفة من يقيم الحجة الرسالية.
(1) انظر (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) ص 478، ط مكتبة الإمام الشافعي بالرياض، ط 2، 1408هـ