المقدمة الأولى: معنى الدِين
(الدِين) مصدر، والفعل دَانَ يَدين: دِينًا وديانة ً.
و (دَانَ) أي خضع وذَلَّ وأطاع.
و (دَانَ بكذا) : أي اتخذه دينا وتعبَّد به.
و (دَانَ فلانٌ فلانًا) : أي حاسبه وساسه وجازاه.
و (الدِين) : الديانة، واسم لجميع مايُعبد به الله، والمِلة، والسيرة، والعادة، والشأن، والحساب، والمُلْك، والسلطان، والحكم، والقضاء، والتدبير.
هذا في اللغة باختصار.
أما في الشرع فقد ورد الدين على معنيين:
1 -الدين بمعنى الطريقة المتبعة حقًا كانت أو باطلًا.
-ومنه قوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) آل عمران: 19، أي الطريق المقبول عند الله هو الإسلام، وبمعناه قوله تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) المائدة: 3.
-ومنه قوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) - إلى قوله - (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 1 - 6، فسمّى سبحانه ماعليه الكفار من الكفر دينا إذ كان ذلك هو طريقتهم المتبعة. وبمعناه قوله تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) غافر: 26، فسمّى ماعليه قوم فرعون من الكفر دينا. ومنه قوله (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران: 85، فبيّن أن غير الإسلام من الطرق المتبعة تسمى دينًا. ومنه قول عائشة رضي الله عنها - في وصف الدليل الذي أرشد النبيَ عليه الصلاة والسلام لطريق الهجرة - (وهو على دين كفار قريش) [1] .
فالدين هو الطريقة المتبعة وهو نظام حياة الناس، وهو شريعتهم المتبعة، حقا كان ذلك كله أو باطلًا. والخضوع لهذه الطريقة بالتزامها وطاعتها هو العبادة.
وبهذا يظهر بوضوح أن القوانين الوضعية دين من الأديان الباطلة، إذ إنها طريقة متبعة وشريعة ملزمة، ومعنى الإلزام فيها أن واضعها والآمرين بها يلزمون الناس بطاعة هذه القوانين ويعاقبون من خالفها كما هو واقع الحال في البلاد المحكومة بهذه القوانين حتى أنهم يستحلون أموال الناس ودماءهم بها.
2 -الدين بمعنى الحساب والجزاء.
ومنه قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) الفاتحة: 4 أي يوم الحساب والجزاء. وقوله تعالى - حكاية عن الكفار - (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) الصافات: 53، أي أئِنا لمحاسبون مجزيون.
هذا وجميع معاني الدين في اللغة والشرع ترجع إلى هذين المعنيين، وتوسَّع فيها الأستاذ أبو الأعلى المودودي فجعل معاني الدين أربعة في كتابه (المصطلحات الأربعة في القرآن) [2] ولكنها على التحقيق ترجع إلى معنيين [3] .
(1) الحديث رواه البخاري (3905)
(2) ط دار الفرقان ص 79 - 88
(3) ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى: (الصحاح) للجوهري 5/ 2118، و (معجم مقاييس اللغة) لابن فارس 2/ 319، و (تهذيب اللغة) للأزهري 14/ 181، و (القاموس المحيط) للفيروز أبادي 4/ 225، و (لسان العرب) لابن منظور 13/ 167، و (النهاية) لابن الأثير 2/ 148، و (المفردات) للراغب الأصفهاني ص 175، و (المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية 1/ 307. ويرجع إلى (مجموع فتاوى ابن تيمية) 7/ 263، 10/ 152، 15/ 158، و (في ظلال القرآن) لسيد قطب 4/ 2020 - 2022