(تمهيد: في وجوب معرفة الواقع محل الفتوى)
قال ابن القيم رحمه الله[ولايتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدها: فَهْم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ماوقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهمُ حكم الله الذي حَكَم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر.
فمن بَذَل جهده واستفرغ وُسْعه في ذلك لم يَعْدم أجرين أو أجرًا، فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله] [1] .
وبالمثل لما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التتار وحكم قتالهم، أجاب بقوله [الحمد لله رب العالمين، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم] [2] .
والمستفاد من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لايتمكن المفتي من إصابة الفتوى في مسألةٍ ما حتى يعرف حقيقة حالها، ليتمكن بذلك من تعيين ما يجب من حكم الله فيها. وعلى هذا فلا تصح الفتوى مع عدم الفقه في الواقع.
وبناءً على ذلك فإنه قبل الفتوى في شأن الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية يجب معرفة حالهم على التفصيل، وقد سبق في المسائل من الأولى إلى الرابعة بيان كيف حلّت هذه القوانين محل أحكام الشريعة وبيان تعلق هذا الأمر بتوحيد الله تعالى كما سبق وصف موجز لآثار الحكم بهذه القوانين.
أما في هذه المسألة فإنه ينبغي التنبيه على أن الحكم بالقوانين الوضعية ينطوي على ثلاثة مناطات مكفِّرة، كل منها مكفر بذاته، وقد تجتمع في حق بعض الأفراد، وقد تنفرد في حق البعض الآخر. وهذه المناطات المكفرة هي:
1 -ترك الحكم بما أنزل الله: لأن الحكم بالقوانين الوضعية في مسألة ما يلازمه ترك الحكم بما أنزل الله فيها، فما من مسألة إلا ولله تعالى حكمٌ فيها كما سبق بيانه في المسألة الثالثة.
2 -اختراع شرع مخالف لشرع الله: وهي القوانين الوضعية نفسها.
3 -الحكم بغير ما أنزل الله: أي الحكم بهذا الشرع المخالف لشرع الله.
وكل واحد من هذه الثلاثة مناط مكفر بذاته وسنقيم الأدلة على ذلك فيما يأتي إن شاء الله. ويختلف نصيب القائمين على الحكم بالقوانين من هذه المناطات، ففي حين تجتمع الثلاثة في حق بعضهم، فإنها تنفرد أو تتبعض في حق البعض الآخر، وهذا بيانه:
1 -فرئيس الدولة، وهو رأس السلطة التنفيذية: تجتمع في حقه المناطات الثلاثة. إذا إنه الآمر الملزِم بها جميعا، كما أنه يصدِّق على قرارات السلطة التشريعة لإجازة العمل بها في الدولة
(المناط الثاني) ، كما يصدّق أحيانا على أحكام المحاكم لتنفذ (المناط الأول والثالث) .
2 -وكذلك البرلمان أو مجلس الشعب، وهو السلطة التشريعية: تجتمع في حقه المناطات الثلاثة، فهو الذي يشرع
(1) (اعلام الموقعين) 1/ 87 - 88
(2) (مجموع الفتاوى) 28/ 510