فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 1285

وفي بيان هذه القاعدة:

قال ابن تيمية رحمه الله [إن اللفظ إذا تكرر ذكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ولم يُبَيَّن ذلك، كان تدليسا وتلبيسا يجب أن يُصان كلام الله عنه، الذي أخبر أنه شفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنين، وأنه بيان للناس، وأخبر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بلّغه البلاغ المبين، وأنه بيَّن للناس ما نزل إليهم] [1] .

وقال ابن تيمية أيضًا [واللفظ. إنما يدل إذا عرِفَ لغة المتكلم التي بها يتكلم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه - إلى قوله ولهذا ينبغي أن يُقصد إذا ذُكِرَ لفظ من القرآن والحديث أن يُذكر نظائر ذلك اللفظ، ماذا عني بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه] [2] .

وقال ابن القيم رحمه الله [اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه، ولم يُعهد استعماله في المعنى المؤوّل أو عُهِدَ استعماله فيه نادرا، فحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل، فإنه يكون تلبيسًا يناقض البيان والهداية، بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حَفّوا به من القرائن ما يبيّن للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف، ومن تأمّل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبيّن له صحة ذلك] [3] .

وقال القاضي شهاب الدين القرافي [فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عُرْفِه] [4] .

وحاصل ما سبق: أنه يجب مراعاة عُرف المتكلم، فإذا دَلّت عادته على استعمال لفظ معين في بيان معنى معين، فإنه لايجوز القول بأنه أراد بلفظه معنى آخر حتى يأتي المتكلم بالقرائن الدالة على ذلك.

وقد ثبت باستقراء نصوص القرآن أن كل كفْرٍ ورد فيه فهو الكفر الأكبر، سواء ورد بصيغة الاسم أو الفعل أو المصدر، فلا يجوز حمل الكفر الوارد فيه على أنه الأصغر ما لم يثبت ذلك ببيان الله أو بيان رسوله عليه الصلاة والسلام. وفي تقرير ذلك:

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ [ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يُراد بها مُسَمَّاها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يُراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يُحمل عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يُعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم: 4] [5] . ومعنى كلام الشيخ عبداللطيف أن الأصل هو وجوب حمل كل كفر ورد في الكتاب والسنة على حقيقته المطلقة أي الكاملة أي الكفر الأكبر حتى تقوم القرينة الصارفة ببيان النبي عليه الصلاة والسلام الدالة على أن حقيقته المطلقة غير مراده وأنه يُراد به مطلق حقيقته أي أدنى مايُطلق عليه وهو هنا الكفر الأصغر، والدليل على صحة ماقاله الشيخ:

هو حديث كفران العشير، وفيه قال رسول الله عليه الصلاة والسلام - في موعظته للنساء - (يكفرن) فقال الصحابة

(1) (مجموع الفتاوى) 6/ 471

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 115

(3) (مختصر الصواعق المرسلة) ط دار الكتب العلمية 1405 هـ، ص 16

(4) (شرح تنقيح الفصول) للقرافي، ط دار الفكر، ص 211

(5) (الرسائل المفيدة) للشيخ عبداللطيف، جمع سليمان بن سحمان، ص 21 - 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت