فهرس الكتاب

الصفحة 1071 من 1285

(يكفرن بالله؟) فقال عليه الصلاة والسلام (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان) [1] . ودلالته واضحة، فلما قال عليه الصلاة والسلام (يكفرن) حمله الصحابة على الكفر الأكبر بما عهدوه من استعمال الشارع للفظ الكفر في إرادة حقيقته المطلقة، حتى بيَّن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن حقيقته المطلقة غير مرادة فقال (يكفرن العشير) أي لايؤدين حقّه. وقد سبق الكلام في هذا الحديث في شرح قاعدة التكفير بمبحث الاعتقاد، وفي نقد رسالة (ضوابط التكفير عند أهل السنة) للقرني بالمبحث نفسه.

وفي تقرير هذه القاعدة أيضا بمثل ماورد في كلام الشيخ عبداللطيف: قال ابن حجر رحمه الله [عُرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لايُراد به إلا ذلك] [2] .

وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط) [الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين] [3] .

ومعنى الإطلاق في كلامهما [إذا أطلق الشرك] و [الكفر إذا أطلِق] أي لم يرد مايقيده ويصرفه عن حقيقته المطلقة، كقولك: الماء المطلق طاهر مطهر، أي الماء الذي لم يقيد بصفة من الصفات كقولك ماء الورد أو ماء نجس.

وبعد:

فاعلم أن كل كفر ورد في القرآن - سواء ورد بصيغة الاسم أو الفعل أو المصدر - فالمراد به حقيقة الكفر المطلقة أي الكفر الأكبر، ولايُشكل على هذا إلا ثلاث آيات: آيتان منها (إبراهيم 28 والنحل 112) في معرض كُفر النِعَم، وآية (الحديد 20) تحتمل الكفر اللغوي، وبالتحقيق فإن المراد منها كلها هو الكفر الأكبر.

-أما آية سورة إبراهيم، فقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا) إبراهيم: 28 - 30 - إلى قوله - (وَجَعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ) . فقوله (( وَجَعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا) قاطع في أن المراد بكفر النعمة: الكفر الأكبر وهو هنا اتخاذ الأنداد من دون الله.

-وأما آية النحل، فقوله تعالى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ... - إلى قوله - وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) النحل: 112 - 113. فقوله تعالى (فكذبوه) قاطع في أن المراد بكفر النعمة هو الكفر الأكبر وهو هنا تكذيب الرسول.

• أما آية سورة الحديد فقوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) الحديد: 20، فظاهرها أن الكفار هنا هم الزرّاع وهو صحيح من جهة اللغة وفيه تعريض بالكفار على المعنى الشرعي كما قال ابن كثير رحمه الله [وقوله تعالى (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) أي يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يُعجب الزراع كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأَمْيل الناس إليها] [4] . وكذلك قال أبو منصور الأزهري (وقد قيل: الكفار في هذه الآية: الكفار بالله، وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين) (تهذيب اللغة) للأزهري، ج 10 ص 199، ط الدار المصرية للتأليف والنشر.

وبهذا يتبيّن لك أن أن كل كفر ورد في القرآن فالمراد به الكفر الأكبر، ولايخرج عن هذه القاعدة إلا آية الحديد السابقة،

(1) الحديث رواه البخاري في باب (كفر دون كفر) بكتاب الإيمان من صحيحه

(2) (فتح الباري) 1/ 65

(3) (البحر المحيط) 3/ 493

(4) (تفسير ابن كثير) 4/ 313

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت