1 -قال البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه، باب [العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى «فاعلم أنه لا إله إلا الله» ، فبدأ بالعلم] .
قال ابن حجر رحمه الله [قال ابن المنيّر: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يُعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحِّح للنية المصحِّحة للعمل] [1] .
قلت: وليس العلم مصححا للنية فقط، بل وللمتابعة أيضا، فإن شرطي قبول العمل هما: الإخلاص: بأن يبتغي بعمله الله وحده لاشريك له، والمتابعة: بأن يكون العمل موافقا لأحكام الشريعة في صفته.
قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الملك: 2، نقل ابن تيمية عن الفضيل بن عياض رحمهما الله قوله في (أَحْسَنُ عَمَلًا) إنه أخلصه وأصوبه، والإخلاص هو مقصود النية،
والصواب مقصود المتابعة. والعلم لازم لتصحيح النية ولتصحيح المتابعة أيضا، ويدل على هذا:
2 -قول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [2] .
ويدل الحديث على أن كل عمل غير موافق للشريعة (ليس عليه أمرنا) فهو مردود غير مقبول من فاعله، وهذا هو شرط المتابعة، ويدل الحديث - بإشارته - على وجوب العلم قبل العمل، ليكون العمل صوابا موافقا للشرع وإلا فهو فاسد مردود لايجزيء عن فاعله.
وهذا الحديث من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ومن هنا أدرجه النووي رحمه الله في الأربعين حديثا (الأربعين النووية) .
واستدل به العلماء على إبطال البدع المحدثة لكونها مما (ليس عليه أمرنا) .
واستدل به على إبطال حكم القاضي وفتوى المفتي المخالفة للشريعة، ولو كانت صادرة من مجتهد، كما ذكره البخاري في كتابي الأحكام والاعتصام من صحيحه [3] ، واستدل به أيضا على إبطال الصلح والعقود - وماجرى مجراها - المخالفة للشريعة، كما ذكره البخاري في كتاب الصلح من صحيحه [4] .
3 -أخرج البخاري رحمه الله في كتاب الاعتصام من صحيحه قال [باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسألُ مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري أو لم يُجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى (بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) النساء: 105. وقال ابن مسعود: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح فسكت حتى نزلت الآية] [5] ثم روى البخاري حديث جابر رضي الله عنه في نزول آية الكلالة، والباب يدل على وجوب العلم قبل القول والعمل.
4 -روي أبو داود رحمه الله قال حدثنا موسى بن عبدالرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خُريق، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجرٌُ فشجَّّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟، فقالوا: مانجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدِمنا على النبي صلى الله عليه وسلم، أُخْبِرَ بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر» أو «يعصب» - شك موسى - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده [6] .
ومعنى العِيِّ أي الجهل، وفي هذا الحديث عابهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قَتَلَة ًله [7] . والحديث يدل على وجوب العلم قبل القول والعمل، ويدل على تحريم القول والعمل بغير علم لما ورد فيه من الذم والوعيد.
(1) (فتح الباري، 1/ 159 - 160)
(2) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، ورواه البخاري معلّقا، ورواه متصلا بلفظ مقارب
(3) (فتح الباري ج 13 ص 181 و317)
(4) (فتح الباري ج 5 ص 301 - 303)
(5) (فتح الباري ج 13 ص 290)
(6) ورواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما
(7) ذكره الخطابي رحمه الله في (معالم السنن)