والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل] [1] .
وقد أثنى الله تعالى على الملائكة وامتدحهم من هذا الوجه، في قوله تعالى (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) الأنبياء: 26 - 27. فهم لايقدِّمون قولًا قبل قوله تعالى، ولا يعملون إلا بأمره تعالى. قال ابن كثير رحمه الله [وهم له في غاية الطاعة قولا وفعلا (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) الأنبياء: 27، أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله] [2] .
6 -وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) الحجرات: 2.
قال ابن القيم رحمه الله [فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون مُحبْطًا لأعمالهم؟.] [3] .
7 -وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) النور: 62.
قال ابن القيم رحمه الله [فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه أن لايذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنُه يُعرف بدلالة ماجاء به على أنه أذِنَ فيه] [4] .
قلت: فوجب معرفة ما أذِن فيه مما لم يأذن بالتعلم قبل القول والعمل.
8 -وقال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الأحزاب:36.
قال ابن القيم رحمه الله [فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخيَّر بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينًا] [5] .
قلت: فوجب بذلك معرفة ماقضى به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل أمر قبل الإقدام عليه، حتى لايُقدم العبد على فعل ٍ برأيه دون اعتبار لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
9 -قول الله عز وجل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43.
فأمر الله تعالى غير العالم بسؤال العالم، حتى لايقدم على العمل بجهل، فدلت الآية على وجوب العلم قبل القول والعمل. وأجمع العلماء على أن العامي يجب عليه السؤال عما وجب عليه من أمر دينه.
قال أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله [لم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز وجل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ] [6] .
وسيأتي تفصيل حكم التقليد في الباب الخامس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
(1) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 51
(2) (تفسير ابن كثير) ج 3 ص 176
(3) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 51
(4) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 51
(5) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 51
(6) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 115 - - وقال مثله الخطيب البغدادي رحمه الله في (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 68