فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 1285

المسألة الرابعة: تغيّر صفة الدار وحكمها

صفة الدار ليست من الصفات اللازمة المؤبدة بل هي صفة عارضة قابلة للتغيّر بحسب اليد الغالبة عليها والأحكام الجارية فيها، فقد تكون الدار دار كفر في وقت ما ثم تصبح دار إسلام كما كانت مكة في أول الإسلام، وقد تكون دار إسلام ثم تصبح دار كفر كالأندلس وفلسطين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] فإن كون الأرض «دار كفر» أو «دار إسلام أو إيمان» أو دار سلم» أو «حرب» أو «دار طاعة» أو «معصية» أو «دار المؤمنين» أو «الفاسقين» أوصاف عارضة، لا لازمة، فقد تنتقل من وصف ٍ إلى وصف ٍ كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس [[1] .

وقد ذهب ابن حجر المكي الهيتمي في كتابه (تحفة المحتاج لشرح المنهاج) في فقه الشافعية إلى أن دار الإسلام لاتصير دار كفر وإن استولى عليها الكفار وأجروا فيها أحكامَهم، واستدل لذلك بحديث (الإسلام يعلو ولا يُعلى) [2] . وقد نقل قول ابن حجر المكي هذا صديق حسن خان [3] . وقد ذهب إلى رأي ابن حجر هذا بعض المعاصرين، ولايخفى بطلان هذا القول فإن الأدلة الخاصة على أن مناط الحكم على الدار هو الغلبة والأحكام - وقد ذكرناها في بيان المناط - هذه الأدلة الخاصة ترجح على الأدلة العامة كالتي استدل ابن حجر. فقد أجمع العلماء على تقديم الدليل الخاص على العام، كتقديم قوله تعالى (وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق: 4، على قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) البقرة: 228. لايختلف العلماء في هذا. ولو صح قول ابن حجر المكي لجاز القول بأن المسلم لايكفر أبدا وإن قام به الكفر لأن (الإسلام يَعلو ولا يُعلى) وهذا خلاف النص والإجماع، وقد قال عليه الصلاة والسلام (من بدل دينه فاقتلوه) [4] .

فهذا النص العام الذي استدل به ابن حجر لاينبغي أن تعارض به النصوص الخاصة في كل مسألة، ولا ينبغي أن ترتب عليه مثل هذه الأحكام. وقوله بأن دار الإسلام لا تنقلب دار كفر مع مصادمته للأدلة مخالف لقول جمهور الفقهاء.

وإذا افترضنا صحة قوله لوجب أن تكون إسبانيا النصرانية دار إسلام اليوم لأنها كانت دار إسلام من قبل (الأندلس) . وهذا يعني وجوب هجرة كل مسلم إلى دار الإسلام في إسبانيا وأن يقبل طواعية بجريان أحكام الكفار فيها عليه، وأنه يحرم على المسلمين الهجرة من إسبانيا لأنه لاهجرة من دار الإسلام، وأنه يحرم على المسلمين غزو إسبانيا النصرانية لأنها دار إسلام، ولو هجم الكفار على إسبانيا لوجب على كل مسلم أن يهب ليدفع عن دار الإسلام في إسبانيا، إلى آخر لوازم قول ابن حجر، وهي لوازم لامناص منها، وفساد هذا القول ولوازمه يُغني عن إفساده.

(فصل) أثر استيلاء الكفار على دار الإسلام

وهو نوعان:

(1) (مجموع الفتاوى) 27/ 45، وكرر هذا في ج 18 ص 282 - 284، وج 27 ص 143 - 144

(2) رواه الدارقطني بإسناد حسن عن عائذ بن عمرو مرفوعا - ورواه البخاري معلقًا في كتاب الجنائز (فتح الباري) 3/ 218 - 220

(3) في كتابه] العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة والهجرة [ص 240، ط دار الكتب العلمية، 1405هـ

(4) رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت