قد تبين من المسألة السابقة أن تحكيم الشريعة الإسلامية من الواجبات الشرعية على كل مسلم حاكما كان أو محكوما، وأن تحكيمها واجب يدخل في أصل الإيمان ويدخل في تحقيق توحيد الله عز وجل. كما أن الامتناع عن تحكيم الشريعة يُخل بأصل الإيمان وينقض التوحيد.
ويتعلق بوجوب تحكيم الشريعة أمرين أذكرهما في هذه المسألة، وهما: وفاء أحكام الشريعة، وتحقيق أحكام الشريعة للمصالح الدنيوية والأخروية، وهذا بيانهما:
أولا: وفاء أحكام الشريعة بأقضية الناس إلى يوم القيامة.
لما كانت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام عامة إلى جميع البشر عمومًا مكانيا وزمانيا إلى يوم القيامة، وكان تحكيم شريعته واجبا على كل من آمن به، فقد اقتضى ذلك أن تكون شريعته وافية بما يحتاجه الناس من أحكام في سائر شئونهم إلى يوم القيامة. وقد ثبت بالأدلة وفاؤها بذلك، ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: 89.
وقوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) المائدة: 3.
وقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59.
وقوله تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10.
فقد دلّت هذه النصوص على وفاء الشريعة بجميع ما يحتاجه البشر من أحكام في سائر شئونهم وفي فضّ نزاعاتهم ورفع خلافاتهم فهي شريعة كاملة كما وصفها الحق تبارك وتعالى.
وليس معنى الكمال أن يَرِدَ حكم كل مسألة فرعية بعينها في الشريعة، وإنما يتحقق الكمال والشمول بالنص على أحكام وقواعد تندرج تحتها قضايا جزئية لا يحصيها إلا الله تعالى.
وفي تقرير ذلك قال ابن تيمية رحمه الله [الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد، ومنهم من يقول إنها وافية بجميع ذلك، وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد. وذلك أن الله بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام بجوامع الكلم. فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانا لاتحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد.] [1] .
وفي التعليق على قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) قال الشاطبي رحمه الله [لو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم، وقد نصَّ العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يُحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها مالا نهاية له من النوازل] [2] .
واستخراج أحكام القضايا الجزئية من النصوص والقواعد الكلية هو عمل المفتي والقاضي، وقد وقع التقصير في هذا في القرون الماضية فزعم بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي أنه لا يجوز لهم الإفتاء في المسائل المستحدثة التي لم يسبق فيها قول لأحد من العلماء المتقدمين، فضيّقوا بذلك رحمة الله الواسعة، وفتحوا الباب أمام السلاطين الذين طَبَع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم للاقتباس من القوانين الإفرنجية بدعوى عدم وفاء الشريعة بأحكام القضايا المستجدة، وقد أشرت
(1) (مجموع الفتاوى) 19/ 280
(2) (الاعتصام) للشاطبي، 2/ 305