الذمة ونحوها وأن هذه المبادئ تكفلها القوانين الوضعية. وبهذا تعلم أن هذه المادة لا يترتب عليها أي التزام بتحكيم الشريعة.
فهذا التشريع من دون الله والحكم والتحاكم بغير شرعه هو اتخاذ الأنداد من دون الله وهو الكفر بعينه كما قال تعالى (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر: 8، وقال ابن تيمية رحمه الله [فمن جعل لله ندًا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كَفَر بإجماع الأمة] [1] .
وهذا التشريع من دون الله والحكم والتحاكم بغير شرعه هو الوثنية في صورة من صورها، كما قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري [إن الوثنية برسمها الخاص وصبغتها الواحدة التي تجمعها هي تقديس غير الله أو تحكيم غيره وتشريع ماهو مناف لشرعه الحكيم، ولكن ليس معنى هذا انحصارها برسم خاص قد انقضى أو بصبغة واحدة تَلَبَّس بها غيرنا ونحن معصومون منها، بل إن فروع هذه القواعد الثلاثة الخبيثة كثيرة جدًا فكل من تلبس بشيء منها كان وثنيًا أو كان فيه من الوثنية بحسبه مهما كان وفي أي محيط كان] [2] .
والخلاصة: أن المقصود من إيراد هذه المسألة التنبيه على أن مسائل التشريع والحكم والتحاكم ليست من مسائل الأحكام الفرعية بل أنها متعلقة بصلب التوحيد وداخلة في أصل الإيمان، وعلى هذا فإن الخلاف بين فعلها وتركها ليس مجرد خلاف بين الحلال والحرام وإنما هو خلاف:
-بين الإيمان والكفر.
-وبين الإسلام والجاهلية.
-وبين التوحيد والشرك.
-وبين أن يكون (لا إله إلا الله) أو أن تكون هناك آلهة أخرى للخلق مع الله.
فإذا صُرِفَ التشريع والحكم والتحاكم إلى الله وحده في نظام من الأنظمة الحاكمة فهذا حُكم الإيمان والإسلام والتوحيد، وإذا صرف ذلك إلى غير الله تعالى فهذا حكم الكفر والجاهلية والشرك. قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50. والتفريق بين هذين النوعين من الأنظمة الحاكمة واجب كما قال تعالى (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الأنفال: 37، والتفريق بين هذين النوعين من الأنظمة هو مفتاح التغيير في هذه البلاد لما يترتب عليه من تميز الصفوف إذا علم المسلمون كفر الأنظمة التي تحكمهم ومناقضة ما هي عليه لكلمة التوحيد التي يعتز بها كل مسلم، فنشر العلم بذلك واجب ليعلم كل مسلم ما أوجبه الله عليه من تغيير هذه الأنظمة الكافرة وإحلال أنظمة إسلامية محلها.
وقد كان هذا كله في بيان تعلق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عز وجل، وأنَّ صرفَها إلى غير الله مناقض للتوحيد وشرك بالله.
(1) (مجموع الفتاوى) 1/ 88
(2) من كتابه (الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة) ط مكتبة دار الأرقم 1404 هـ، ص 44