والحاصل: أن من صلى وصام لله وأعطى حق التشريع أو الحكم لغيره أو تحاكم لغير شريعته فقد عَبَد الله وعَبَد غيره، وهو بهذا مُشرك كافر ليس بمسلم، وهذا هو الشأن في المجتمعات الجاهلية المعاصرة يصلي الناس ويصومون لله وهم مع ذلك يعطون حق التشريع لغيره وهذا شرك في الربوبية، ويحكمون ويتحاكمون إلى غير شرع الله وهذا شرك في الألوهية. ودساتيرهم تُفصح عن هذا الكفر غاية الإفصاح، فيقولون:
- (يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع) انظر على سبيل المثال (مادة 86 من الدستور المصري) .
-و (الحكم في المحاكم بالقانون) انظر على سبيل المثال (مادة 165 من الدستور المصري) .
-و (لاجريمة ولاعقوبة إلا بناء على قانون) انظر على سبيل المثال (مادة 66 من الدستور المصري) .
-و (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) انظر على سبيل المثال (مادة 2 من الدستور المصري) ومعظم الدساتير العلمانية تنص على ذلك وإن اختلفت العبارات.
وهذا النص الأخير من أعظمها كفرًا، فإنه ينص على اتخاذ آلهة أخرى مع الله، فإن التشريع حق لله وحده - كما سبق بيانه - ومعنى أن شريعته الإسلامية هي المصدر الرئيسي - ليس الوحيد - للتشريع معناه أن هناك مصادر أخرى للتشريع وأن هناك آلهة أخرى يتلقى عنها التشريع مع الله تعالى، ولهذا فإنه لا يغفر لهؤلاء كون قوانينهم الوضعية تحتوي على بعض الأحكام الشرعية - فيما يُسمى بالأحوال الشخصية أو غيرها - هذا لا يغفر لهم مع اتخاذهم قوانين غير شرعية، وبهذا تعلم أن قولهم (الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) يعني أنه (لا إله رئيسي إلا الله) لأنهم يتخذون آلهة أخرى مع الله يعبدونها بالتحاكم إليها من دون الله، ألا ترى أنه لما قال البعض لرسول الله عليه الصلاة والسلام (اجعل لنا ذات أنواط) قال لهم (الله أكبر إنها السنن) ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) الأعراف: 138) [1] . فجعل قولهم كقولهم لأن العبرة بالمسمى والمضمون وإن اختلفت الأسماء والألفاظ. واتخاذ آلهة مع الله في التشريع والحكم هو عين الشرك الذي نهى الله عنه بقوله تعالى (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ) النحل: 51. وهذه الآلهة الأخرى المتخذة مع الله هي الطواغيت التي أمر الله باجتنابها والكفر بها كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، وقد سبق في أواخر مبحث الاعتقاد - في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) - بيان معنى الطاغوت وأنواعه وأن منها كل ما تُحوكم إليه من دون الله من دستور أو قانون أو قاض ٍ أو زعيم أو شيخ قبيلة أو غيره وذلك لقوله تعالى (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) النساء: 60. قال الشيخ الشنقيطي [كل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت] وذكر الآية السابقة [2] . وقد نص الله على أن الحكم والتحاكم عبادات فقال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) يوسف: 40، فمن صرف عبادتي الحكم والتحاكم إلى غير الله فقد عَبَدَه من دون الله.
وأحب أن أنبّه القاري على أن المادة الدستورية الكفرية السابقة (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) لا توجب على واضعيها الالتزام بأي قانون إسلامي، فإنها نصت على الالتزام بمبادئ الشريعة لا قوانين الشريعة وبينهما فرق يقرره سدنة القوانين الوضعية الكافرة إذ يقولون إن مبادئ الشريعة هي الحق والعدل والمساواة وأن الأصل براءة
(1) الحديث رواه الترمذي وصححه
(2) انظر (أضواء البيان) 7/ 165