وفسَّر المراد بكلمة (لا إله إلا الله) التي تعصم الدم والمال وأن المراد ليس مجرد قولها بل تحقيقها بعبادة الله وحده وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام (بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له) [1] ، فبين أن المطلوب من الكفار - والذي يُقاتلون لأجله - هو إفراد الله وحده بالعبادة لا مجرد قولهم كلمة لا إله إلا الله، وإن كان يُكف عنهم إذا قالوها حتى يُتبين منهم مايناقضها، وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الأول (إلا بحقها) فمن حقها إفراد الله بالعبادة كما قال عليه الصلاة والسلام (حق الله على العباد أن يعبدوه ولايشركوا به شيئا) [2] . وهذا كله يدل على أن المقصود من كلمة التوحيد ليس مجرد النطق بها بل الالتزام بما توجبه من إفراد الله بالعبادة، وقد كان الكفار من سائر الأمم يدركون هذا، فلما قال هود عليه السلام لقومه (اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف: 65 (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) الأعراف: 70، فعلموا أن المراد منهم إفراد الله بالعبادة وترك عبادة غيره من الآلهة، وقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: 35 - 36، فعلموا أن المراد ليس مجرد النطق بالكلمة بل المراد الالتزام بما توجبه من ترك الآلهة ولهذا امتنعوا عن النطق بها واستكبروا عن ذلك. فهذا ما فهمه الكفار من سائر الأمم، أما اليوم فإن كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام لا يفهمون ما فهمه هؤلاء الكفار فكانوا شرًا منهم، إذ قالوها بألسنتهم ونقضوها بأفعالهم، وفي هذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله [فأتاهم النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي «لا إله إلا الله» والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يُعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) ص: 5. فإذا عرفت أن جُهّال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ماعرفه جهّال الكفار] [3] .
فإذا علمت أن المراد من كلمة التوحيد هو تحقيق معناها بإفراد الله بالعبادة، تبيّن لك أن الذي يدّعي الإسلام وهو يصلي ويصوم ولكنه يحكم أو يتحاكم بغير شرع الله أنه ليس بمسلم لأنه لم يُفرد الله بالعبادة وبالتالي لم يحقق معنى كلمة التوحيد، أو قُلْ: إنه قالها بلسانه ونقضها بأفعاله. وإلا فقد قال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) الكوثر: 2، كما قال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) الكوثر: 2، فأمر سبحانه عباده بأن يصلوا له وحده ويتحاكموا له وحده، فمن صلى لله وتحاكم لغيره لم يفرده الله بالعبادة، بل عَبَد الله وعَبَد غيره، وهذا هو شرك سائر الأمم فإنهم مع عبادتهم غير الله كانوا يعبدون الله ببعض صور العبادة كما قال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) يوسف: 106، وقال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر: 3، وقال تعالى - حكاية عن أصحاب الكهف - (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) الكهف: 16، فاعتزلوا الآلهة التي كان يعبدها قومهم إلا الله فدّل على أن الله داخل فيما كانوا يعبدون إذ كانوا يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهذا معنى الشرك وهو اتخاذ شريك مع الله في العبادة، وهذا ما يدل عليه أسلوب الاستثناء الوارد في النصّ السابق، وهو ماورد أيضا في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) الزخرف: 26 - 27، ومثلها آية الشعراء 75 - 77.
(1) الحديث رواه أحمد وهو حديث صحيح
(2) الحديث متفق عليه
(3) من رسالته (كشف الشبهات) ص 6 - 7