فهرس الكتاب

الصفحة 1029 من 1285

106 قالت طائفة من السلف «تسألهم: من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله وهم مع هذا يعبدون غيره] [1] .

والحاصل: أنه لا يصح إيمان العبد حتى يأتي بنوعي التوحيد، فقد تبين لك مما سبق أن مشركي العرب كانوا مقرين بالربوبية لله ولم يعصم هذا دماءَهم وأموالهم بل قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام لشركهم في الألوهية حتى يأتوا بتوحيد الألوهية.

وتوحيد الألوهية - وكما سبق القول - هو إفراد الله وحده بالعبادة، ومن العبادات التي أوجبها على خلقه الحكم بشرعه والتحاكم إليه، كما قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) يوسف: 40، وهذا نص صريح يبين أن الحكم من العبادات التي ينبغي إفراد الله تعالى بها لتحقيق توحيد الألوهية، ولهذا كان الإشراك بالله في حُكمِهِ كالإشراك في عبادته سواءً بسواءٍ، فقال في الحكم (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26، وقال في العبادة (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110. وهذه العبادة ألا وهي الحكم بشرع الله واجبة على جميع الخلق حكامًا ومحكومين كل بحسبه، فالحكام يجب عليهم الحكم بين الناس بشريعة الله كما قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة: 49، وقضى الله بكفرهم إذا لم يحكموا بشرع الله فقال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، وسائر الخلق حكامًا ومحكومين يجب عليهم التحاكم إلى شرع الله ولا يصح إيمانهم إلا بذلك كما قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65. وقد دلت هذه النصوص على كفر من لم يحكم بشرع الله أو لم يتحاكم إليه بما يعني أن هذه العبادات الواجبة داخلة في أصل الإيمان، فقد ذكرت - في التعليق على العقيدة الطحاوية في أول مبحث الاعتقاد - أن كل فعل يكفر تاركه فهو من أصل الإيمان ولا يصح إيمانه إلا بفعله.

ويتبين مما سبق أن إفراد الله تعالى بالتشريع للخلق - وهو من أفعاله سبحانه - من توحيد الربوبية، وأن إفراده سبحانه بالحكم بشريعته والتحاكم إليها - وهي من أفعال العباد - من توحيد الألوهية. وذلك لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله بفعله، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بأفعال العباد التي تعبَّدهم الله بها.

ولا تصح كلمة التوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، إلا بإفراد الله تعالى بهذا كله - أي بالتشريع والحكم بشرعه والتحاكم إليه - ومن صرف شيئا من هذه العبادات إلى غير الله فقد اتخذ شريكا وإلها مع الله ولم يحقق معنى كلمة (لا إله إلا الله) ، قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21، وقال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26. فليس المقصود من كلمة التوحيد مجرد النطق بها بل الالتزام بما توجبه من إفراد الله بالعبادة، وبهذا فسّرها رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) [2] ، وفي رواية لمسلم فسَّر النبي عليه الصلاة والسلام المراد بالشهادة بقوله (بني الإسلام على خمس: على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) . فبيّن أن المراد بكلمة التوحيد: عبادة الله وحده لا شريك له. وكذلك هي في قوله عليه الصلاة والسلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) [3] ،

(1) (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) ص 16، ط دار الفكر

(2) متفق عليه عن ابن عمر

(3) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت