كما ذكرنا في الفصل الأول، فإن العلوم المستنبطة (كالاعتقاد والفقه والآداب) لم تكن متميزة بهذه الأسماء في عصر الصحابة رضي الله عنهم الذين كانت عمدتهم العلوم الأصلية (الكتاب والسنة) .
وقد بدأ علم الاعتقاد في التميز مع ظهور البدع واشتداد وطأة الفرق المبتدعة، فأخذ أئمة المسلمين في كتابة مايعتقدونه الحق الموافق للكتاب والسنة في المسائل التي اختلف فيها المنتسبون إلى الإسلام، والتي يترتب على الاختلاف فيها تكفير المخالف للحق أو تفسيقه وتبديعه، وهذه المسائل التي حدث فيها الخلاف تتناول أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره) كما تتناول بعض المسائل الأخرى كالقول في الصحابة وأمهات المؤمنين والإمامة وكرامات الأولياء.
وقد كان هذا الاختلاف مصداق قول رسول عليه الصلاة والسلام (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ٍ ضلالة) [1] . فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن الاختلاف واقع لا محالة وأن النجاة في التمسك بالسنة. كما أخبرص بأن الاختلاف سيترتب عليه التفرق إلى فرق الناجية منها واحدة، وذلك لأن الحق واحد لايتعدد، فقال عليه الصلاة والسلام (إن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار إلا واحدة، وهى الجماعة) [2] .
وسميت الفرقة الناجية بأهل السنة والجماعة، فسموا بأهل السنة لتمسكهم بما وردت به السنة في مواضع الاختلاف كما قال عليه الصلاة والسلام - في حديث العرباض بن سارية - (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي) ، وسموا بالجماعة لتمسكهم بالحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى وهم الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم كما قال عليه الصلاة والسلام - في حديث معاوية - (كلها في النار إلا واحدة، وهى الجماعة) . وصار منهج أهل السنة: التمسك بالكتاب والسنة وإجماع السلف الذين هم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. والأخذ بأقوال الصحابة وإجماعهم من أهم مايميز أهل السنة عن الفرق الضالة المبتدعة [3] التي تستدل أحيانًا ببعض نصوص القرآن
(1) الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(2) الحديث رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح مشهور، كما قال ابن تيمية
(3) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[أما التبديع والتضليل لترك إجماع الصحابة الثابت، فنعم. وأما لترك أقوالهم ففيه نظر.
وفرق بين إجماع الصحابة الثابت، وبين أقاويلهم المتفرقة، فأقاويل الصحابة إذا اختلفوا فليس قول أحدهم حجة دون غيره إلا ما عاضده برهان من الكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن قال من العلماء أن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرف نص يخالفه) أهـ. من مجموع الفتاوى (1/ 283) .
وقد أشار المصنف إلى قول شيخ الإسلام هذا، وذكر أقاويل لغيره قريبة منه (ص 828) . وقال (ص 840) عن قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر: (فقوله ليس حجة بالاتفاق) أهـ. ومنه تعلم أن إطلاقه هنا في الموضع الأول مقيّد بهذا فلزم التنبيه إليه إذ بيْن الموضعين قرابة أربعمائة صفحة.
وذلك مخافة أن يغتر بعض الطلبة بإطلاقه الأول، فيطلقون ألسنة التبديع والتضليل في كل من ردّ رأيًا أو قولًا لصحابي، كما يفعل مرجئة العصر، حين نردَّ عليهم ما يقدمونه من أقاويل تنسب لبعض الصحابة، على نصوص الوحي الصريحة الواضحة التي نجالدهم بها.
واعلم أن المختار عندنا والذي ندين الله به أن قول الصحابي ليس بدليل شرعي ولا هو حجة في دين الله إلا أن يكون في أسباب النزول، أو يكون مما لا يُقال بالرأي ويكون حكمه حكم الرفع، بشرط أن لا يكون الصحابي من المكثرين بالتحديث عن أهل الكتاب.
وأن الحجة الشرعية التي ندين الله بها هي قول الله تعالى، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع الصحابة الثابت قبل أن يتفرقوا في الأمصار، والذي لا يكون إلا بمستند شرعي.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ) الأنبياء: 45. وقال سبحانه: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) الأعراف: 3.
تنبيه:
قال المصنف ص828: (إذا تعارضت أقوال الصحابة فلا حجة في أحدها، ووجب الترجيح بينها ... ) . كذا قال: (فلا حجة في أحدها) .
والراجح عندي أن هذا خطأ مطبعي، وأنه يريد: (فالحجة في أحدها) . إذ الترجيح لا يكون لإلغاء الجميع، بل لاختيار الأقوى والأرجح.
وهذا هو المذهب المختار عنده، كما صرّح به بعد ذلك في المقدمة الرابعة فقال: (وفي الجملة فإن العلماء لم يختلفوا في أن الحق لا يخرج عن قول الصحابة، فإن أجمعوا فإجماعهم حجة قطعية، وإن اختلفوا فالحق في قول بعضهم، ويعلم هذا بالردِّ إلى الكتاب والسنة، ولا يجوز الخروج عن أقوالهم) أهـ. (ص831) ] النكت اللوامع ص (3 - 4)