المسألة الثالثة: أثر الجهل على أهلية المكلّف
1 -المكلف: هو الشخص الذي تعلق خطاب الشارع بفعله.
2 -وشرط صحة التكليف: هو قدرة الشخص على فهم خطاب الشارع الموجه إليه، وإنما يكون ذلك بالعقل، ولما كان من العسير تقدير القدرة العقلية اللازمة لفهم خطاب الشارع، فقد أقام الشارع البلوغ مقام العقل في ذلك، لأن البلوغ أمر منضبط وله علامات محددة سبق أن ذكرتها في أول الفصل الثالث من الباب الثالث بهذا الكتاب.
فمناط التكليف: هو بلوغ الإنسان عاقلا.
ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) [1] .
3 -أما الأهلية: فهي الصلاحية، وهي قسمان:
(أ) أهلية الأداء (وهي أهلية التكليف) : وتعني صلاحية الفرد لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعا، أي صلاحيته لأن يكون مكلفا يؤاخذ بأقواله وأفعاله.
وشروط صحة هذه الأهلية:
(1) الإدراك (بالبلوغ والعقل والعلم بخطاب التكليف) .
(2) الاختيار.
(ب) أهلية الوجوب: وتعني صلاحية الفرد لأن تكون له حقوق وعليه واجبات. وتثبت هذه الأهلية: بالحياة.
4 -عوارض الأهلية:
هي أمور تعرض لأهلية الأداء - أي أهلية التكليف - فتزيلها أو تنقصها.
أو هي أمور تعرض للمكلف فتجعل أقواله وأفعاله غير معتبرة شرعًا فلا يؤاخذ بها ولا تترتب عليها آثارها فيما يتعلق بحقوق الله تعالى لا حقوق العباد.
5 -أقسام عوارض الأهلية:
سبق القول بأن شروط صحة أهلية التكليف هي: الإدارك والاختيار، فعوارض هذه الأهلية:
إما أن تفسِد الإدراك: كالصِغر، والجنون، والنسيان، والنوم، والجهل، والسُّكر.
وإما أن تفسِد الاختيار: وذلك بالإكراه.
ولكن جرى عرف الفقهاء على تقسيم عوارض الأهلية إلى قسمين:
(أ) عوارض سماوية: أي من قَدَر الله، لا دخل للعبد في اكتسابها، فنسبت إلى السماء لأنها خارجة عن قدرة العبد.
ومنها: صِغر السن، والجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والمرض، والموت.
(ب) عوارض مكتسبة: وهي التي لاختيار العبد دخلُ ُ في اكتسابها بنفسه أو من غيره، وإن كان كل شيء من قدر الله كما قال تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر: 49.
فمن العوارض المكتسبة من ذات العبد: الجهل والخطأ والسُّكر والهزل.
ومن العوارض المكتسبة من غيره: الإكراه [2] .
(1) رواه أبو داود عن علي رضي الله عنه، ورواه الترمذي وحسّنه، ورواه البخاري معلقا عن علي بلفظ مقارب في الطلاق والحدود
(2) (شرح المنار وحواشيه في الأصول) لابن ملك، ص 943 وما بعدها، ط العثمانية 1315 هـ, (شرح التلويح على التوضيح والتنقيح) لسعد الدين التفتازاني، ج 2 ص 167 وما بعدها، ط صبيح 1367 هـ. (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي، 1/ 216