فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 1285

قد يخطئ المفتي في فتواه وقد يتبين له الصواب فيرجع عن فتواه، وقد لايتبين له الصواب فلا يرجع عن فتواه. وسواء رجع أو لم يرجع، فإذا كان المستفتي قد عمل بفتواه في إتلاف نفس ٍ أو مال ٍ، ثم علم المستفتي أن هذه الفتوى خطأ، سواء أعلمه بذلك من أفتاه أو غيره، فهل يضمن المفتي ما أتلفه المستفتي عملًا بفتواه؟.

فقال الاستاذ أبو إسحاق الإسفرائني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطع. وإن لم يكن أهلًا فلا ضمان عليه لأن المستفتي قَصَّر في استفتائه وتقليده.

نقل هذا القول أبو عمرو ابن الصلاح وسكت عليه.

كما نقله النووي واستشكل ضمان المفتي المؤهل وذهب إلى أنه لايضمن إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء.

كما نقل نفس القول ابن حمدان وحكى قولًا في تضمين المفتي غير المؤهل لأنه تصدى لما ليس هو له بأهل وغرَّ مَنْ استفتاه بتصدِّيه لذلك.

وقد ذكر ابن القيم هذا كله ثم ذهب إلى عكس ماقاله أبو إسحاق الإسفرائني، فقال ابن القيم بتضمين المفتي غير المؤهل وعدم تضمين المؤهل. وحجته في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ تَطَبَّبَ ولم يُعرف منه طب فهو ضامن) [1] . فقاس ابن القيم المفتي على الطبيب وقال بتضمين غير المؤهل كما ورد في الحديث وبعدم تضمين المؤهل عملا بمفهوم الحديث. قال ابن القيم رحمه الله] وإن عمل المستفتي بفتواه من غير حكم حاكم ولا إمام فأتلف نفسًا أو مالًا: فإن كان المفتي أهلا فلا ضمان عليه، والضمان على المستفتي، وإن لم يكن أهلا فعليه الضمان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَطَبَّبَ ولم يُعرف منه طب فهو ضامن» وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن، والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام، لأن المستفتي مخير بين قبول فتواه وردها، فإن قوله لايلزم، بخلاف حكم الحاكم والإمام [[2] .

قلت: وكل موضع لايضمن فيه المفتي فالضمان فيه على المستفتي فيدفع دية النفس أو بدل المال حسب الحال، لأن قول المفتي غير مُلزم له حُكما، ولأن المفتي غير منصوب من جهة إمام المسلمين حتى يقع ضمان خطئه على بيت المال، بل المستفتي مخير في استفتاء من يشاء من أهل العلم [3] .

وهنا أمر آخر لم يذكره السادة العلماء الذين نقلنا عنهم في مسألة ضمان خطأ المفتي، ألا وهو أن المستفتي لا يجوز له أن يعمل بفتوى المفتي في كل مايعرض له وينزل به، بل إن كانت النازلة في خاصة نفسه كمسألة في الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو الحج ونحو ذلك عمل بالفتوى، أما إذا كانت النازلة ليست خاصة بل في مسألة محل نزاع وخصومات مع آخرين أو يترتب عليها اتلاف نفس أو عضو ٍ أو أخذ مال الغير أو اتلافه فإنه يجب رفع هذه الخصومات إلى الحاكم (القاضي) لأن حكمه هو الذي يرفع النزاع فيها كما أن لديه صلاحية الإلزام بما حَكَم به وتنفيذه، وإذا أخطأ القاضي في الحكم بسبب من جهته - لامن جهة الشهود أو المُزَكِّين - فضمان خطأ القاضي: إما على بيت مال المسلمين وإما عليه، على قولين [4] .

(1) والحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 226

(3) وما ذكرناه في هذه المسألة منقول عن (أدب المفتي) لابن الصلاح ص 110 - 111، و (المجموع) للنووي ج 1 ص 45 - 46، و (صفة الفتوى) لابن حمدان ص 31، و (اعلام الموقعين) لابن القيمجـ 4 ص 225 - 226

(4) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 12/ 149 - 152

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت