1 -العلم الشريف: هو العِلم المنزَّل من السماء إلى الأرض، العِلم الموحَى من الله تعالى إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ثم ماتفرّع عنهما من العلوم الشرعية.
قال تعالى (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) النساء: 113.
وقال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الشورى: 52.
وقال تعالى (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) آل عمران: 61.
فبيّن الحق جل وعلا أنه إنما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم العلمَ، ووصف هذا العلم بأنه روح ونور. وإنما كان كذلك لأنه يُحيي القلوب الميتة ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 122.
قال ابن حجر رحمه الله [والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يُفيد معرفة مايجب على المكلَّف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته ومايجب من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص. ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه] [1] .
فهذا هو العلم الممدوح بإطلاق، وهو الذي وردت الأدلة ببيان فضله وفضل أهله، وهو العلم المقصود بيانه في هذا الكتاب.
وإلا فهناك علوم أخر، منها ماهو مذموم بإطلاق، ومنها ماهو ممدوح في حال دون حال:
فمن المذموم بإطلاق ما ورد في قوله تعالى (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) البقرة: 102، فأثبت الله تعالى أن من العلم ما يضر ولا ينفع - وهو السحر هنا -، ومن المذموم: علوم الكفار التي يعارضون بها الرسل عليهم السلام كما قال تعالى (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) غافر: 83.
ومن الممدوح في حال دون حال: العلوم النافعة في الدنيا، والتي هي من فروض الكفاية، كعلوم الزراعة والصناعات والطب ونحوها، وهي المقصودة في قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنتم أعلم بأمر دنياكم) [2] .
2 -أهل العلم: أما أهل العلم الذين وردت الأدلة ببيان فضلهم وعلو منزلتهم وعظيم ثوابهم، فهم الحاملون لهذا العلم الشريف العاملون به في أنفسهم وفي الناس بنشره وتبليغه. فقد وردت الأدلة بذم من عَلِمَ ولم يعمل كما في قوله تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف: 3، فعُلِم من هذا أن الممدوحين هم العلماء العاملون بعلمهم، وأن من لم يعمل بعلمه فهو من أهل الذم لا أهل الفضل. بل قد أنزل الله تعالى من لم يعمل بعلمه منزلة الجاهل الذي لا علم له، وذلك في قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) البقرة: 102، فبدأ الله بوصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي (وَلَقَدْ عَلِمُوا) ثم نفي العلم عنهم (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) حيث لم يعملوا بعلمهم، فأنزلهم منزلة الجهال.
(1) (فتح الباري) ج 1 ص 141
(2) الحديث رواه مسلم