اعلم أن أساس تقسيم العالم إلى دارين - دار الإسلام ودار الكفر - هو عموم بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إلى الناس كافة: عمومًا مكانيًا لجميع أهل الأرض، وعمومًا زمانيًا من وقت بعثته عليه الصلاة والسلام وإلى يوم القيامة، ومع عموم بعثته وصَدْعِهِ بدعوته عليه الصلاة والسلام انقسم الخلق إلى مؤمن به وكافر، ثم فرض الله تعالى على المؤمنين الهجرة من بين الكافرين، وقيض الله لهم أنصارًا بالمدينة فكانت هي دار الهجرة ومجتمع المهاجرين وبها أنشأ رسول دولة الإسلام، وظل فرض الهجرة إلى المدينة قائما حتى فتح مكة، ثم ظلت فريضة الهجرة على كل مسلم يقيم بين الكافرين، فتميزت الديار بذلك إلى دار الإسلام وهي مجتمع المسلمين وموضع سلطانهم وحكمهم، ودار الكفر وهي مجتمع الكافرين وموضع سلطانهم وحكمهم، ثم فرض الله على المؤمنين قتال الكفار إلى قيام الساعة فسميت دارهم أيضا دار الحرب.
أما الأدلة على ذلك:
فالأدلة على عموم بعثته عليه الصلاة والسلام كثيرة منها: قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان: 1، وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف: 158، وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) سبأ: 28، وقال تعالى (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) آل عمران: 20، وقال تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران: 85. ونحوها من الآيات. وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام (أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأيما رجل ٍ من أمتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ، وأحِلت لي الغنائم، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس كافة، وأُعطيت الشفاعة) [1] ، وعموم البعثة من المعلوم من الدين بالضرورة.
وأما انقسام الخلق بدعوته عليه الصلاة والسلام إلى مؤمن به وكافر، فهذه سنة الله القدرية مع جميع الرسل، كما أنها سنته في خلقه ولابد من وجود الفريقين: المؤمنين والكافرين في الأرض إلى قبيل قيام الساعة - حتى تهب الريح الطيبة - لتتحقق سنة الابتلاء قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) النحل: 36، وقال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) الفرقان: 31، وقال تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
(1) رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه