العلم الواجب العينى بقسميه العام والخاص، هو العلم بالأمور التي يتكرر وقوعها للعبد ولا ينفك منها، أما ما يندر وقوعه فلا يجب تعلمه ابتداء ولكن من ابتلى بشيء فيجب أن يعلم حكمه حتى لا يُقدم على قول أو عمل بغير علم.
وهذا القسم هو الذي أشار إليه النووي في قوله [ثم الذي يجب من ذلك كله ما يتوقف أداء الواجب عليه غالبا دون ما يطرأ نادرًا فإن وقع وجب التعلم حينئذ] [1] . فالنوازل هي ما وصفه النووي بأنه (ما يطرأ نادرًا) .
وقال النووي أيضا [ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بَعُدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام] [2] . هذا وسوف نذكر أحكام المستفتي على التفصيل في الباب الخامس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وروي الخطيب البغدادي وابن عبد البر كلاهما عن عبد الله بن المبارك رحمهم الله قال [فريضة على من وقع في شئ من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه] [3] .
وقال أبو حامد الغزالي - في النوازل - [إن كل عبد في مجارى أحواله في يومه وليلته لايخلو من وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كل مايقع له من النوادر، ويلزمه المبادرة إلي تعلم مايتوقع وقوعه على القرب غالبا] [4] .
ومن النوازل النازلة بعموم المسلمين في جميع البلدان ما ابتلوا به من حكمهم والحكم بينهم بغير شريعة الإسلام بالقوانين الوضعية، فيجب على جميع المسلمين المكلفين من الذكور والإناث معرفة حكم هذه النازلة لما يترتب على هذا الحكم من واجبات عينية على كل منهم، وسوف تأتي إشارة إلى حكم هذه النازلة في المبحثين الأول والثامن في الباب السابع بهذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ومن النوازل الدعوة إلى الديمقراطية وما يترتب عليها من إنشاء الأحزاب السياسية والبرلمانات التشريعية، وتوابع هذا من الترشيح والانتخاب، وكل هذا من الشرك الأكبر الذي لا يجوز لمسلم أن يقع فيه ويجب أن يَحْذر منه ويُحَذِّر غيره، وسوف تأتي إشارة إلى حكم هذه النازلة في أوائل الباب الرابع، وفي المبحث الثامن في الباب السابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وبهذا نختم الكلام في أقسام العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم، والمقصود منه بيان أنه لا يجوز أن يُقدم المسلم علي قول أو فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه، ويجب أن يعلم كل مسلم أنّه ما من شئ في هذه الدنيا إلا وله حكم في شريعة الله تعالى، قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) النحل: 89، فما من شئ إلا وله حكم من أحكام التكليف الخمسة: الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم. إما أن يرد حكم الشئ منصوصًا عليه في الكتاب والسنة وإما أن يستنبط العلماء حكمه بإلحاقه بما ورد فيه النص، وقد سبقت الإشارة إلى هذا عند الكلام عن (وفاء الشريعة بمصالح العباد إلى يوم القيامة) .
والحمد لله رب العالمين.
(1) (المجموع، 1/ 25)
(2) (المجموع، 1/ 54)
(3) (الفقيه والمتفقه، 1/ 45) و (جامع بيان العلم، 1/ 10)
(4) (إحياء علوم الدين، 1/ 27)