فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 1285

تكلمنا في المسألة الأولى عن صفة التمكن وشروطه، وعن أحوال المتمكن من طلب العلم، وهنا نتكلم في ضابط التمكن.

وقد تكلمنا عن الأحوال التي يُعذر فيها بالجهل في المسألة السابقة، فمن كان حاله كذلك فهو معذور.

ونتكلم هنا عن واقع محدد، وهو حال المنتسبين إلى الإسلام في معظم بلاد المسلمين المحكومة بقوانين الكفار (القوانين الوضعية) في هذا الزمان.

وهذه البلاد تعتبر من جهة الأحكام دار كفر وحرب، وسيأتي الكلام في أحكام الديار في آخر مبحث الاعتقاد بالباب السابع، كما سيأتي الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله والآثار المترتبة عليه في المبحث الثامن بالباب السابع إن شاء الله.

ونحن إذا قلنا إنه يُعذر بالجهل في دار الكفر، فذلك في دار الكفر الأصلي التي جمهور سكانها أو كلهم كفار أصليون يعجز من أسلم منهم عن معرفة شيء من أحكام الدين، أما دار الكفر الطارئ - كالبلاد المحكومة بالقوانين الوضعية - فمن المعلوم أن جمهور سكانها مسلمون ولو في الحكم الظاهر ولهذا يُحكم بإسلام اللقيط في مثل هذه البلاد بخلاف دار الكفر المحضة - وسيأتي بحث هذا بأواخر مبحث الاعتقاد المشار إليه- ولهذا فإن المكلف يمكنه التعلم بهذه البلاد بالسؤال أو بالرحلة من مدينة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر أو بالسؤال عن طريق الهاتف أو البريد وغير ذلك.

والحاصل: أن العلم متيسر بهذه البلاد يمكن طلبه والوقوف على الحق منه، فلا يعذر أحد بالجهل في هذه البلاد إلا في مسائل الدين الخفية التي لا يعلمها إلا الخاصة من أهل العلم، وهذا ما تدل عليه أقوال جميع من ذكرنا من أهل العلم بالمسألة الأولى السابقة.

ومن الضوابط التي يقاس عليها هنا: حال الناجين والهالكين من العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد كانوا متعبدين بدين إبراهيم مع ما دخله من التبديل كما سبق بيانه في الفصل الثاني، وأدرك بعضهم التوحيد وترك عبادة الأوثان بالسعي والسؤال كزيد بن عمرو بن نفيل، وأخلد آخرون إلى تقليد ما عليه قومهم وهؤلاء أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كفار معذبون.

فإذا كانت الحجة قد قامت بدين إبراهيم - رغم تحريفه - على هؤلاء، مع ندرة من كان يعلم الحق أو بعضه منهم، فكيف يعذر الناس بالجهل في هذه البلاد إذا وقعوا في نواقض الإسلام، مع تيسر أسباب التعلم وكثرة المجاهرين بالحق والعاملين به؟.

وفي هذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز[الأمور قسمان: قسم يعذر فيه بالجهل وقسم لا يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين، وأتى الشرك بالله، وعبد غير الله، فإنه لا يعذر لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ) الأحقاف: 3. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها، لأنها ماتت على دين قومها عبّاد الأوثان، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لشخص سأله عن أبيه، قال: «هو في النار» ، فلما رأى ما في وجهه قال: «إن أبي وأباك في النار» . لأنه مات على الشرك بالله، وعلى عبادة غيره سبحانه وتعالى،

فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي، أو يعبد الحسين، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو يعبد الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، أو يعبد عليًا أو يعبد غيرهم. فهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى، لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين، والقرآن بين أيديهم .. وهكذا سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة بينهم، ولكنهم عن ذلك معرضون.

والقسم الثاني: من يعذر بالجهل كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا، أو لأسباب أخرى كأهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله عز وجل، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فيؤمرون، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار لقوله جل وعلا: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15 ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك.

وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في هذه المسألة في آخر كتابه: (طريق الهجرتين) لما ذكر طبقات المكلفين، فليراجع هناك لعظم فائدته] [1] .

(1) (مجموع فتاوى ابن باز) جمع محمد بن سعد الشويعر، ج 4 ص 26 - 27، وموجود بنصه في (مجلة البحوث الإسلامية) الصادرة عن دار الإفتاء بالسعودية، عدد 25 ص 85 - 86 - - وبمثل هذا قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي - جامع فتاوى ابن تيمية - في كتابه (السيف المسلول على عابد الرسول) ص 11 - 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت