فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 1285

تقبل الدعوى في ذلك، وهكذا إذا ادعى أنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات والاستعانة بهم والذبح لهم والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار، أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة وأنه شرك أكبر وقد أوضح الله ذلك في كتابه وأوضحه رسوله صلى الله عليه وسلم - إلى أن قال - أما المسائل التي قد تخفى مثل مسائل المعاملات وبعض شؤون الصلاة وبعض شؤون الصيام فقد يعذر فيها الجاهل كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك) ولم يأمره بفدية، لجهله، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلم فيها الجاهل ويبصر فيها، أما الأمور الأصولية وأصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة فلا يقبل ذلك من أحد، فلو قال أحد وهو بين المسلمين إنني ما أعرف أن الزنا حرام فلا يعذر بل يقام عليه حد الزنا أو قال ما أعرف أن الخمر حرام وهو بين المسلمين فلا يعذر أو قال ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام فلا يعذر بل يضرب ويؤدب أو قال ما أعرف أن اللواط وهو إتيان الذكور حرام فلا يعذر لأن هذه أمور ظاهرة معروفة من المسلمين معروفة في الإسلام.

لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون قد يقبل منه دعوى الجهل وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، أما الذي بين المسلمين ويتعاطى أنواع الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة فهذا لا يعذر لأن الأمر واضح، والمسلمون بحمد الله موجودون يصلون ويصومون ويحجون ويعرفون أن الزنا حرام وأن الخمر حرام وأن العقوق حرام كل هذا معروف بين المسلمين وفاش بينهم فدعوى الجهل دعوى باطلة والله المستعان.] [1] .

وقال ابن باز أيضا [والحاصل أن من أظهر الكفر في ديار الإسلام حكمه حكم الكفرة، أما كونه يوم القيامة ينجو أو لا ينجو فهذا إلى الله سبحانه وتعالى إن كان ممن لم تبلغه الدعوة ولم يسمع ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يمتحن يوم القيامة ويرسل إليه عنق من النار كما جاء في حديث الأسود بن سريع فيقال له ادخل فإن دخلها كان عليه بردًا وسلامًا، وإن أبى التف عليه العنق وصار إلى النار نسأل الله السلامة.] [2] .

وبعد:

فقد كانت هذه أقوال بعض أهل العلم، وكلها تبين أن ضابط قيام الحجة الرسالية على المكلف هو تمكنه من العلم بها.

فإن لم يكن متمكنا من ذلك - وضربوا له أمثلة بمن أسلم بدار الحرب أو حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية أو في المسائل الخفية أو في زمان الفترة وندرة العلم - فهذا جهله معتبر كعذر مانع من الحكم عليه بما يستوجبه ذنبه.

أما من كان متمكنا من العلم ولم يسع للتعلم، فهذا جهله غير معتبر كعذر أو مانع من الأحكام، بل هو مُعْرِض عن طلب الحق.

وأما من كان متمكنا من العلم وسعي ولم يجد من يعلمه أو وجد من علّمه بعض الحق فقد أدى واجبه وإن لم يعلم بكثير من الأحكام الواجبة ولم يعمل بها.

(1) (فتاوى وتنبيهات) لابن باز، ص 239 - 242، ط مكتبة السنة، 1409هـ

(2) (المرجع السابق) ص 213

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت