ويعتبر المكلف عالمًا بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلا، ومن ثم يعتبر النص المحرم معلومًا للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه أو يعلم عنه شيئًا مادام العلم به كان ممكنًا لهم. ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلا، لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص. وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثًا ولم يكن مقيما بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناء في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسرًا، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرًا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة. أما إذا كان مدعي الجهل ناشئًا بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الادعاء بالجهل.] [1] .
12 -الشيخ الشنقيطي رحمه الله.
قال [أما القادر على التعلم المفرّط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور] [2] .
13 -ومن فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية (رقم 9257) .
[لا يعذر المكلف بعبادته غير الله أو تقربه بالذبائح لغير الله أو نذره لغير الله ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله إلا إذا كان في بلاد غير إسلامية ولم تبلغه الدعوة فيعذر لعدم البلاغ لا لمجرد الجهل، لما رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» . فلم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع به ومن يعيش في بلاد إسلامية قد سمع بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله.
أما الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط يعلقون بها أسلحتهم فهؤلاء كانوا حديثي عهد بكفر وقد طلبوا فقط ولم يفعلوا فكان ما حصل منهم مخالفًا للشرع وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنهم لو فعلوا ما طلبوا كفروا. وبالله تعالى التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم] [3] .
14 -الشيخ عبد العزيز بن باز.
قال [دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل، وليس كل أحد يعذر بالجهل، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين فإن دعوى الجهل بها لا تقبل ولاسيما ما يتعلق بالعقيدة وأصل الدين فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله عز وجل، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب، هذا كله لا يقبل لأن هذا أمر معلوم بين المسلمين وقد علم بالضرورة من دين الإسلام وقد انتشر بين المسلمين فلا
(1) (التشريع الجنائي الإسلامي) ج 1 ص 430 - 431، ط دار إحياء التراث العربي 1405هـ وقال بمثل هذا: عبد الكريم زيدان في كتابه (الوجيز في أصول الفقه) ص 76 - 77 و 112 - 114، ط مؤسسة الرسالة 1405هـ. وبمثله أيضا قال: محمد أبو زهرة في كتابه (أصول الفقه) ص 347 - 352، ط دار الفكر العربي. وهذا الذي ذكره الأستاذ عبد القادر عودة متفق عليه بين علماء الأصول
(2) (أضواء البيان) 7/ 554 - 555
(3) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: عبدالله بن قعود، وعبدالله بن غديان، وعبدالرزاق عفيفي، وعبدالعزيز بن باز. (فتاوى اللجنة الدائمة) 2/ 33 - 34، جمع الدويش، ط دار العاصمة 1411هـ. وقولهم في حديث (ذات أنواط) سبق الرد عليه في آخر الفصل الأول من هذا الباب