الأحكام الشرعية المترتبة على اختلاف الديار هي ثمرة البحث في هذا الموضوع، وقد قال الشوكاني رحمه الله] اعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدًا لما قدّمنا لك في الكلام على دار الحرب، وأن الكافر الحربي مُبَاح الدم والمال على كل حال مالم يُؤَمَّنْ من المسلمين، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها [[1] . ورغم قول الشوكاني هذا فإن هناك أحكامًا مترتبة على اختلاف الديار، وأهمها أحكام الهجرة والجهاد، ومن هذه الأحكام:
1 -وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام عند القدرة على ذلك، أو إلى دار الأمن (وهي دار الكفر الأقل فتنة) إذا عُدِمت دار الإسلام من الدنيا كما كانت هجرة الحبشة في صدر الإسلام وكما هو الحال اليوم، وقد قدمنا بعض النصوص الدالة على وجوب الهجرة [2] . ويتفرع عن وجوب الهجرة بعض الأحكام منها:
أ - سقوط وجوب المَحْرَم لسفر المرأة المهاجرة من دار الكفر سواء كانت كافرة أسلمت أو أسيرة مسلمة تخلّصت، فلها السفر من دار الكفر بدون محرم إن تعذّر، لأن مفسدة بقائها بين الكفار أعظم من مفسدة سفرها بدون محرم، فاحتملت أدنى المفسدتين لدفع أعظمهما [3] .
ب - ومنها أن عِدّة المهاجرة إذا كانت كافرة أسلمت وزوجها كافر بدار الحرب، عدتها حيضة واحدة، ولها أن تنكح مسلمًا بعدها إن أرادت، ودليله حديث ابن عباس [وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طَهُرت حلّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدّت إليه] [4] ، وهذا تفسير لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الممتحنة: 10 [5] .
ج - ومنها أنه إذا أسلم بعض عبيد الكفار وهاجروا صاروا أحرارًا ويملكون ماخرجوا به من أموال أهل الحرب، وهو في حديث ابن عباس السابق [وإن هاجر عبدٌ منهم أو أمةٌ فهما حُرَّان، ولهما ما للمهاجرين] الحديث. ومثاله فرار الصحابي أبي بكرة نفيع بن الحارث من حصن الطائف أثناء حصار النبي عليه الصلاة والسلام له بعد غزوة حنين، فتدلى أبو بكرة من الحصن بواسطة بكرة، فسُمِّى بها وقصته بالبخاري في غزوة الطائف [6] .
د - ومنها أنه يحرم سفر المسلم إلى دار الحرب وإقامته بها لغير ضرورة، لأن الهجرة تجب على من أسلم بها، فلا يسافر
(1) (السيل الجرار) 4/ 576
(2) تراجع بقية أحكام الهجرة في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 513 - 515، و (نيل الأوطار) 8/ 176 - 179
(3) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 3/ 192 و 10/ 527، و (فتح الباري) 2/ 568 و 4/ 76
(4) الحديث رواه البخاري (5286)
(5) انظر (أحكام أهل الذمة) لابن القيم 1/ 339 و 365
(6) المسألة مذكورة في (نيل الأوطار) 8/ 157، وفي (السير الكبير) لمحمد بن الحسن، 5/ 2286 ومابعدها