ذكرت في أول هذا الموضوع أن هذه الرسالة مكملة لكتاب (القول القاطع فيمن امتنع عن الشرائع) لنفس الجماعة، والذي انتهى إلى وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن الحكم بالشريعة، وأن رأس هذه الطائفة وهو رئيس الدولة الذي يحكم بغير ماأنزل الله أنه مرتد، أما أعوانه الذين ينصرونه فعلّق حكمهم على تبيُّن الشروط والموانع. وجاء كتاب (الرسالة الليمانية) ليبحث حكم هؤلاء الأعوان ولم ينته فيهم إلى حكم عام وإنما علق حكم أعيانهم على تبين الشروط والموانع كما ذكر مؤلف الرسالة في خاتمتها التي أوردناها في صدر هذا الموضوع. وسوف نبدأ ببيان المسلك الذي سلكه المؤلف وأوصله إلى هذه النتيجة وننقده على التفصيل ثم نذكر تقييمًا مجملًا للرسالة.
أولا: بيان مسلك المؤلف في رسالته ونقده على التفصيل.
حَصَر المؤلف (طلعت فؤاد قاسم) مناط الحكم على أنصار الحاكم الكافر (المرتد) في أمر ٍ واحد وهو موالاتهم لهذا الحاكم. ثم شرع - بعد تعريف الموالاة لغة وشرعًا - في تقسيم الموالاة إلى ظاهرة وباطنة، وذكر أن الموالاة الظاهرة بالنصرة والمتابعة وغيرهما من المسلم للكافر إنما هي معصية ليست كفرًا، ولا يكفر فاعلها إلا إذا قارنتها موالاة باطنة وصفها بأنها الرضا القلبي والتصويب والمحبة (ص 11) . ثم أخذ في سرد أقوال بعض العلماء وبعض الأدلة الشرعية التي رأي أنها تؤيد وجهة نظره هذه.
ونحن نذكر بعون الله تعالى أهم المواضع التي تستحق النقد في رسالته على التوالي، ثم نذكر بعدها نقدًا مجملًا للرسالة.
1 -في ص 9 قال المؤلف] اصطلاحًا: الموالاة هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنا [. لم يذكر المؤلف دليلًا شرعيًا على صحة هذا التعريف كما أنه لم ينسبه إلى مصدر من كتب اللغة أو كتب الشريعة. وبالتتبع فإن هذا التعريف نقله المؤلف دون عزو من كتاب (الولاء والبراء) لمحمد بن سعيد القحطاني[1] ، بل نقل كل ماذكره من تعريفات من نفس الكتاب ص 87 - 91. وهذا التعريف الاصطلاحي للموالاة لم ينسبه القحطاني بدوره لمصدر وغالبا هو الذي وضعه، وهذا التعريف به قصور إذ اسقط بعض أهم معاني الموالاة كالمتابعة، كما أن ادراج الإكرام والاحترام ضمن الموالاة خطأ فهذه يجوز بذلها للأبوين الكافِرَين وليست بموالاة. وقد ذكرت أهم المعاني الشرعية للموالاة بأدلتها في شرح الدليل الرابع بالقسم السابق. والذي أنبه عليه هنا أن كل معنى من هذه المعاني بمفرده يُسمى موالاة، ولايشترط لصحة التسمية أن تجتمع كل المعاني الاصطلاحية للموالاة في آن ٍ واحد، بل النصرة وحدها موالاة كما في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ) الشورى: 46، والمتابعة وحدها موالاة كما في قوله تعالى (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) الحج: 3 - 4.
وقد اختار مؤلف (الرسالة الليمانية) هذا التعريف الاصطلاحي للموالاة خاصة قوله [والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا] لأنه يؤيد وجهة نظره في أنه لايكفر أحد بالموالاة الظاهرة إلا إذا اقترنت بها الموالاة الباطنة، وسوف نبيِّن خطأ ماذهب إليه فيما يأتي إن شاء الله.
(1) (الولاء والبراء) ط دار طيبة، ط 1، ص 90