يتأدى فرض الكفاية من العلم إذا تحقق أمران: أمر كيفى وأمر كمىَّ.
1 -أما الأمر الكَيْفِيّ: فيتعلق بصفة فرض الكفاية من العلم، ويتحقق الأمر الكَيْفيّ بأن يقوم القائمون بهذا الواجب بتحصيل كافة أصناف العلوم الشرعية التي تحيط بأحكام الديانة وهذه العلوم سنذكرها في المسألة الرابعة (صفة فرض الكفاية من العلم) إن شاء الله. كما سنذكر في المسألة الخامسة أنه لايجب على كل قائم بفرض الكفاية من العلم الإحاطة بجميع أحكام الديانة وإنما هذا واجب على مجموع القائمين بفرض الكفاية.
2 -وأما الأمر الكَمِّى: فيتعلق بعدد القائمين بفرض الكفاية من العلم، ويتحقق بأمرين:
أ - أن يوجد بالأمة الإسلامية ككل - في كل عصر - عدد من العلماء يكفون للقيام بالواجبات الفقهية لجميع المسلمين، وهذه الواجبات هي كما ذكرنا من قبل: التعليم والوعظ والفتوى والقضاء والحِسْبة. فإن لم يوجد العدد الكافى من هؤلاء العلماء أثِم المسلمون جميعهم.
ب - أن يوجد بكل بلدة أوقرية - أو فيما دون مسافة القصر منها - عدد العلماء يكفون لافتاء أهلها وتعليمهم، حتى أن بعض العلماء ذهبوا إلى تحريم السكنى بالبلدة التي ليس بها مفتٍ كما سنذكره إن شاء الله. ودليل وجوب ذلك على أهل كل مجتمع من المسلمين (بلدة أو قرية ونحوها) قوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا) التوبة: 122. فأوجب الله هذا على كل فرقة وهي كل جماعة منفصلة من المسلمين ببلدة أو قرية.
وفي هذا يقول ابن حزم رحمه الله[فرض علي كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة - وهي المجشرة عندنا - أو حلّة أعراب أو حصن أن ينتدب منهم لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ولتعلّم القرآن كله، ولكتاب كل ماصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ماأجمع المسلمون عليه ومااختلفوا فيه: مَن يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث والإجماع، ويكتفى بذلك على قدر قِلَّتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا في هذا الباب - (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ ... ) التوبة: 122- بحسب مايقدر أن يعمهم بالتعليم، ولايشقّ على المستفتى قصده. فإذا انتدب لذلك مَن يقوم بما ذكرنا فقد سقط عن باقيهم إلا مايلزمه في خاصة نفسه فقط علي ماذكرنا آنفا. ولايحل للمفقه أن يقتصر على آراء الرجال دون ما ذكرنا.
فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا، ففرض عليهم الرحيل إلي حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم وإن بَعُدت ديارهم ولو أنهم بالصين] [1] .
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله [وواجب أن يكون في مسجدٍ ومَحِلَّةٍ من البلد فقيه يُعلِّمِ الناس دينهم، وكذا في كل قرية] [2] .
وقال النووي رحمه الله [ولو خلت البلدة من مفتٍ فقيل يحرم المقام بها، والأصح لايحرم إن أمكن الذهاب إلي مفتٍ. وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصر من كل جانب - إلى أن قال - تعليم الطالبين وإفتاء المستفتين فرض كفاية، فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعيّن عليه] [3] . وقول النووي (إلى مسافة القصر) ، وهو ماذكرته آنفا، لأنها المسافة التي يمكن للعبد قطعها بدون مشقة. وإن كان أصل اعتبار هذه المسافة محل خلاف لايسع تفصيله هذا المقام.
فهذا يبيِّن كيف يتأدى فرض الكفاية من العلم من جهة الكَمِّ؟.
(1) (الإحكام في أصول الأحكام) ج 5 ص 123
(2) (إحياء علوم الدين) ج 2 ص 370
(3) (المجموع، 1/ 27)