فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 1285

بعد سرد الأدلة النصّية على كفر الحكام بغير ما أنزل الله (في المسألة السادسة) ثم ذِكْر الإجماع على ذلك (في المسألة السابعة) ، أذكر هنا أقوال بعض العلماء في هذا الموضوع للاستئناس بها، فقد ذكرت في الباب الرابع من هذا الكتاب أن أقوال العلماء يُحتج لها ولا يحتج بها، وإنما تقوم الحجة بالأدلة الشرعية التي يذكرها العلماء ضمن فتاويهم وأجوبتهم. وقد ذكرت في صدر المسألة السادسة أن الحكم بغير ما أنزل الله - بالقوانين الوضعية - يشتمل على ثلاثة مناطات مكفرة وهي: ترك الحكم بما أنزل الله، وتشريع ما يخالف شرع الله، والحكم بهذا الشرع المخالف أي الحكم بغير ما أنزل الله. وأقوال أهل العلم المذكورة في هذه المسألة تتناول مناطًا أو أكثر من هذه الثلاثة.

ومن هؤلاء العلماء:

1 -الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله (456 هـ)

تكلم في مواضع من كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) عمن أجاز الحكم بالشرائع المنسوخة كالتوراة والإنجيل وأن هذا كفر، وتكلم عمن شرع ما لم يأذن به الله أو أبطل ما شرعه الله وأن هذا كله كفر. وكلامه هذا ينطبق على واقعنا من حيث اختراع شرائع مخالفة لشرع الله وإيجاب الحكم بها والتحاكم إليها، مع تضمن هذه الشرائع المخترعة لإبطال ما شرعه الله تعالى. ومما قاله ابن حزم في بيان ذلك:

(أ) قال رحمه الله [فإن كان يعتقد أن لأحدٍ بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته عليه السلام، أو يوجب حدًا لم يكن واجبا إلى حين موته عليه السلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق.] [1] .

(ب) وقال ابن حزم أيضا [وأما من ظن أن أحدًا بعد موت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ينسخ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويُحدث شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فقد كَفَر وأشرك وحَلَّ دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان، لتكذيبه قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) المائدة: 3. وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران: 85. فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره عليه السلام على حكم ٍ ما، ثم بُدّل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام دينا، لأن تلك العباداتِ والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده عليه السلام، هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا، وليس الإسلام شيئا غيرها. فمن ترك شيئا منها فقد ترك الإسلام، ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الإسلام. ولا مرية في شيء أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله، وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية، فإنما هي تفسير لما نزل قبلها، وبيان لجملتها، وتأكيد لأمر متقدم. وبالله تعالى التوفيق.] [2] .

(ج) وقال ابن حزم رحمه الله [من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنصّ عليه وحيٌ في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام] [3] . فهذا حُكْم من حَكَم بالشرائع المنسوخة فكيف بمن حَكَم بالقوانين المخترعة؟.

(د) وقال ابن حزم أيضا [وأيضًا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه

(1) (الإحكام) 1/ 73

(2) (الإحكام) 2/ 144 - 145

(3) (الإحكام) 5/ 173

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت