هذه المسألة متعلقة بالسابقة، فبعد بيان صفة فرض الكفاية من العلم وأنه يشتمل على مجموع علوم الدين، قد يُتوهم أن كل مشتغل بطلب فرض الكفاية من العلم يجب عليه تحصيل جميع هذه العلوم.
والصواب: أن هناك فرقًا بين مايجب على مجموع الأمة ومايجب على الأفراد في ذلك.
أولا: أما مايجب على مجموع الأمة فهو حفظ مجموع علوم الدين
وقد وُجد هذا على مدى تاريخ الأمة فكان هناك العلماء المتبحرون في علوم القراءات ولا اشتغال لهم بالحديث، والعلماء المبرزون في الحديث رواية ودراية ولا اشتغال لهم بالقراءات، والعلماء المتبحرون في اللغة العربية وفنونها المختلفة، وكان هناك - مع هؤلاء - الفقهاء المجتهدون الذين أخذوا من كل علم مايستكملون به آلة الاجتهاد وإن لم يبلغوا في كل علم مبلغ أئمته المتفرغين له. وبمجموع هؤلاء تم حفظ جميع علوم الدين قرنا بعد قرن: قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 9، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله) [1] .
قال ابن تيمية رحمه الله [ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب، وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب، وإن لم يجب ذلك على آحادها، ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة مالا يجب على الأفراد] [2] ، وقال ابن تيمية أيضا: [ويجب على عموم الأمة علم جميع ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لايضيع من العلم الذي بلّغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شيء، وهو مادلّ عليه الكتاب والسنة، لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعيّن فرض على الكفاية إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين] [3] .
ثانيا: وأما ما يجب على أعيان القائمين بفروض الكفاية العلمية
كالمفتي والقاضي والمحتسب والمُعَلِّم: فإنه يجب على كل منهم من العلم مالا يتم الواجب عليه إلا بتعلمه، من باب (مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
ومن هذا الباب قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [ولايقولن قائل: من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدًا، لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ماقاله النبي صلى الله عليه وسلم وفَعَله فيما يتعلق بالأحكام: فليس في الأمة مجتهد، وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه، بحيث لايخفى عليه إلا القليل من التفصيل] [4] .
فلا يجب على كل قائم بفرض الكفاية من العلم الإحاطة بجميع علوم الدين، وإنما يجب عليه ما يُمكِّنه من أداء واجبه، ويدخل في هذا المجتهدون فلا يجب عليهم الإحاطة بعلوم الدين، وسوف نذكر علوم المجتهد إن شاء الله في (صفة المفتي وشروطه) في الباب الخامس من هذا الكتاب.
وإنما تتم الإحاطة بجميع علوم الدين وحفظها بمجموع القائمين بفروض الكفاية العلمية كالفقهاء والمحدثين والوعاظ واللغويين والقرّاء، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله) [5] .
(1) رواه مسلم
(2) (مجموع الفتاوى) 25/ 175
(3) (مجموع الفتاوي) 3/ 328 - 329
(4) (مجموع الفتاوى) ج 20 ص 239
(5) رواه مسلم