قال النووي رحمه الله] إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي وأنه لايرضى بكتابته في ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب، وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه ووجوه الميل كثيرة لاتخفى: ومنها أن يكتب في جوابه ماهو له ويترك ماعليه وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها - إلى أن قال - قال الصيمري وينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقا يرشده إليه أن ينبهه عليه يعني مالم يضر غيره ضررًا بغير حق، قال كمن حلف لاينفق على زوجته شهرًا يقول يعطيها من صداقها أو قرضًا أو بيعًا ثم يبريها، وكما حكى أن رجلا قال لأبي حنيفة رحمه الله حلفت أني أطأ امرأتي في نهار رمضان ولا أكفِّر ولا أعصي، فقال: سافر بها [[1] .
وقال ابن القيم رحمه الله]قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون به مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غَرَضَ السائل ولم يوافقه، وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنده كتب له، وإلا دَلَّهُ على مُفتٍ أو مذهب يكون غرضه عنده، وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بد فيه من تفصيل:
فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أو من المسائل العِلْمِيَّات التي فيها نصٌُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسَع المفتي تركَه إلى غرض السائل، بل لايَسَعُه توقفه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من الله أن يُقدَّم غرضَ السائل على الله ورسوله؟.
وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعنتها الأقوال والأقيسة، فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له أن يترجح لغرض السائل، وإن ترجح له قول منها وظن أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويَسَعُه عند الله، فإن عَرَفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضه أو خالفه، ولايسعه ذلك أيضا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه، لا تعبد الله بأداء حقه، ولايسعه أن يدله على غرضه أين كان، بل ولايجب عليه أن يفتي هذا الضرب من الناس، فإنهم لايستفتون ديانة، وإنما يستفتون توصلا إلى حصول أغراضهم بأي طريق اتفق [[2] .
هذا وقد سبق في القسم الثالث من هذا الفصل (حكم الإفتاء) بيان أن هذا الصنف من المستفتين لايجب على المفتي أن يجيبهم وأنه مخيَّر في ذلك وذكرنا دليل ذلك هناك.
(1) (المجموع) ج 1 ص 50
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 258 - 259