تحدثنا عن شرط العلم ضمن شروط المفتي في القسم الثالث من هذا الفصل، كما تحدثنا في القسم الثاني (حكم الإفتاء) عن أنه يحرم على المفتي أن يفتي بغير علم، أما هذا القسم فمعقود لبيان أمر أخص: وهو أن العلم الذي تجب الفتوى به ينبغي أن يكون:
1 -هوالحق الذي شهد به الدليل الشرعي من الكتاب والسنة والإجماع المعتبر والقياس الصحيح وذلك لقوله تعالى (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص: 26. فيجب على المفتي أن يفتي بالحق الذي شهدت به الأدلة.
2 -وهو الراجح من ضمن الأقوال المختلفة، وذلك لقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، وقوله تعالى (فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) الزمر: 17 - 18. فيَحْرُم على المفتي والقاضي أن يتخيرا من الأقوال المختلفة كيفما شاءا، بل تجب الفتوى والحكم بالقول الراجح من الأقوال المتعارضة.
ويتعلق بالأمر الأول (وجوب الإفتاء بالحق) مسألة تحريم الإفتاء بالحِيَل، كما يتعلق بالأمر الثاني (وجوب الإفتاء بالراجح) مسألة تحريم الإفتاء بالمرجوح، ويتعلق بالأمرين معا مسألة نقض الفتوى المخالفة للحق.
وعلى هذا سوف يشتمل هذا القسم إن شاء الله تعالى على هذه المسائل الثلاث:
1 -تحريم الإفتاء بالحيل. 2 - تحريم الافتاء بالمرجوح. 3 - رد الفتوى المخالفة للحق.