فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 1285

وهذا يجب على بعض المكلفين دون بعض، وقد يجب على الشخص نفسه في وقت دون وقت. فكل من وجب عليه واجب شرعي (كالزكاة والحج) وكل من شرع في أمر مباح (كالتجارة والنكاح) وجب عليه تعلم أحكامه، لوجوب العلم قبل القول والعمل.

ومثال هذا ما قاله ابن حزم رحمه الله[ثم فرض على كل ذي مال تَعَلُّم حكم ما يلزمه من الزكاة، وسواء الرجال والنساء والعبيد والأحرار، فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة عليه فرضا. ثم من لزمه فرض الحج ففرض عليه تعلم أحكام الحج والعمرة، ولايلزم ذلك مَن لاصحة لجسمه ولامال له.

ثم فرض على قواد العساكر معرفة السِّير وأحكام الجهاد وقَسْم الغنائم والفيء.

ثم فرض على الأمراء والقضاة تعلم الأحكام والأقضية والحدود، وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم.

ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلَّته تعلم أحكام البيوع ومايحل منها وما يحرم وليس ذلك فرضا على من لا يبيع ولا يشترى.] [1] .

ومن هذا الباب أيضا أن من أقام ببلد به بعض البدع أو بعض الطوائف الضالة كالشيعة أو الخوارج أو القاديانية أو البهائية أو الصوفية وغيرها، وجب عليه تعلم مايدفع به عن نفسه تلك البدع ليحفظ إيمانه من الزلل، فيجب عليه من الإيمان المفصَّل مالا يجب على غيره ممن لم يُبْتَلَ بما ابُتِلى به. وهذا هو معنى قول أبى حامد الغزالي رحمه الله [وأما الاعتقادات وأعمال القلوب فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك في المعانى التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم مايتوصل به إلي إزالة الشك. فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم وأنه مرئى وأنه ليس محلًا للحوادث إلى غير ذلك مما يذكر في المعتقدات، فقد مات على الإسلام إجماعًا، ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع وبعضها يخطر بالسماع من أهل البلد، فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغى أن يُصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق، فإنه لو ألقى اليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عَسُر ذلك، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجرًا وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا، وهذا هو الحق في العلم الذي هو فرض عين ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب. فمن علم العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذي هو فرض عين] [2] .

وهكذا كل من أقدم على عمل يجب عليه أن يسأل عن حكمه، فيقدم على بصيرة، فيسأل هل يجوز له فعله أم لا؟. كمن يريد أن يشارك في قتال أو يريد أن يلتحق بمهنة أو وظيفة، أو يريد أن يتعامل بمعاملة مالية، ونحو ذلك، يجب عليه أن يسأل عن مشروعيتها.

وإذا كان الأمر الذي سيُقدم عليه فيه أحكام تفصيلية، وجب عليه تعلمها، وهذا كله لوجوب العلم قبل القول والعمل.

ثم ننتقل لبيان القسم الثالث من أقسام فرض العين من العلم.

(1) (الإحكام) ج 5 ص 122

(2) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 26 وقول الغزالي (إن كلام الله قديم) هذا الأمر فيه تفصيل، راجعه إن شئت في (لوامع الأنوار البهية) للسفاريني، ط المكتب الإسلامي 1411 هـ، ج 1 ص 27 و 112 و 130 بهوامشها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت