فهرس الكتاب

الصفحة 1021 من 1285

في بلاد المسلمين

قال الله عزوجل (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود: 118 - 119.

فلم يشأ الله أن يجعل الناس أمة واحدة - كما يدل عليه حرف «لو» فإنه حرف امتناع لامتناع - وإنما جعلهم مختلفين، وللاختلاف صور شتى كالاختلاف في اللون واللغة والجنس والغنى والفقر والصحة والمرض، ولكن أعظم صور الاختلاف تلك التي يترتب عليها السعادة والشقاء في الآخرة وهي اختلاف الخلق في أديانهم إلى مؤمن وكافر.

فقد أراد الله أن يكون خلقه بين مؤمن وكافر كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) التغابن:2، وابتلى الله الفريقين بعضهم ببعض لتتم المحنة ولتجزى كل نفس ٍ بما كسبت، قال تعالى (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) الفرقان: 20، وقال تعالى (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) - إلى قوله - (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) محمد: 4 وقال الله عزوجل - في الحديث القدسي - لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك) [1] .

وقد انعقدت العداوة بين الفريقين قدرًا وشرعًا كما أراد الحق جل وعلا بقوله لآدم وزوجه (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) البقرة: 36، فصارت هذه العداوة في بني آدم، إما عداوة في الدين وإما في الدنيا، والعداوة الدينية واقعة لامحالة فقد جَبَل الله الكفار على معاداة المؤمنين كما قال تعالى (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا) النساء: 101. كما أمر الله تعالى المؤمنين بمعاداة الكافرين فقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة: 4. وبهذه العداوة المتبادلة بصورها المختلفة يبتلي الله كل فريق بالآخر لتتم المحنة ويقع الاختبار للفريقين في الدنيا، ثم يجزيهم الله بأعمالهم يوم البعث.

وقد اتخذت عداوة الكفار للمؤمنين صورًا شتى، منها:

(1) إثارة الشبهات للطعن في الدين وصد الناس عنه، كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) الأنعام: 112 - 113، وقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) النساء: 89.

(2) الاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم: قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) يس: 30، وقال تعالى (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) البقرة: 212، والآيات بآخر سورة المطففين ونحوها.

(1) الحديث رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت