المسألة العاشرة: تأدّب المستفتي مع المفتي
وأصل ذلك من كتاب الله قوله تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفتح: 8 - 9. ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، فإن لهم نصيبًا من التوقير الواجب للنبي صلى الله عليه وسلم، والتوقير هو الاحترام والإجلال والإعظام.
وأخصّ من هذا قوله صلى الله عليه وسلم (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشّيبه المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقْسط) [1] .
وروي أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ليس مِن أمتي مَن لم يُجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا) . وقوله (ويعرف لعالمنا) أي حقه.
وفي تأدب المستفتي مع المفتي قال ابن حمدان رحمه الله] ينبغي للمستفتي التأدب مع المفتي، وأن يُجِلّه في خطابه وسؤاله ونحو ذلك، فلا يوميء بيده في وجهه، ولايقل له: ماتحفظ في كذا وكذا؟ أو ما مذهب إمامك فيه؟ ولايقل إذا أجابه: وهكذا قلت أنا، أو كذا وقع لي، ولايقل له: أفتاني فلان أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولايقل إذا استفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقا لمن أجاب فيها فاكتبه وإلا فلا تكتبه، ولايسأل وهو قائم أو مستوفز أو على حالة ضجر أو همِّ أو غير ذلك مما يشغل القلب [[2] . وقوله (ولايسأل وهو قائم) هو من باب سد ذريعة احتمال الكِبر، وإلا فهذا جائز وقد بوّب عليه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في باب من سأل وهو قائم عالما جالسا)، وفيه روي بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (جاء رجل ٌُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ما القتال في سبيل الله؟، فإن أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حميَّة، فرفع إليه رأسه - قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما - فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزوجل) [3] . قال ابن حجر في شرحه]والمراد أن العالم الجالس إذا سأله شخص قائم لايُعدّ مِن باب مَنْ أحب أن يتمثل له الرجال قياما، بل هذا جائز، بشرط الأمن من الاعجاب، قاله ابن المنيِّر - إلى أن قال ابن حجر - وفي الحديث شاهد لحديث «الأعمال بالنيات» ، وأنه لابأس بقيام طالب الحاجة عند أمن الكِبر [[4] .
هذا، ويرد في هذه المسألة ماذكرناه في (آداب المتعلم مع شيخه) في الفصل الثالث من الباب الرابع، ومنها توقير الطالب للشيخ وذكرنا فيه حديث ابن عباس لما هاب أن يسأل عمر سؤالا لمدة سنة، وذكرنا فيه خفض الطالب صوته عند الشيخ وكيف استدل العلماء لذلك بقوله تعالى (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) الحجرات: 2، إلى آخر ماذكرناه هناك.
(فائدة) التأدب مع العلماء وتوقيرهم ذريعة إلى تعظيم ما يقولون به من الدين وامتثاله.
وعلى العكس من ذلك فإن الاستهانة بالعلماء والاستخفاف بهم مؤذن بالاستهانة بالدين والاستخفاف به، وكلاهما يكفر فاعله، لقوله تعالى (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 65 - 66، وسبب نزول هذه الآيات هو استهزاء المنافقين بعلماء الصحابة (القُرَّاء) فجعل الاستهزاء بالعلماء كالاستهزاء
(1) حديث حسن رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه
(2) (صفة الفتوى) ص 83. وللنووي مثله في (المجموع) ج 1 ص57
(3) (حديث 123)
(4) (فتح الباري) ج 1 ص 222