أشرنا إلى هذه المسألة عند الكلام في كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟ في الفصل الأول من الباب الرابع. وقلنا هناك إنه قلما توجد مسألة من مسائل الأحكام إلا وللعلماء فيها أقوال متعددة متعارضة ولكل منهم دليله الذي يحتج به على قوله، ولايمكن العمل إلا بأحد هذه الأقوال المتعارضة، فما ضابط اختيار القول الذي يعمل به، أهو الترجيح بين الأقوال للعمل بالراجح منها؟ أم هو مجرد التشهي والهوى فيعمل بأي الأقوال شاء؟. والجواب: أن الترجيح بين الأدلة المتعارضة وبين الأقوال المتعارضة واجبٌُ للعمل بالراجح منها. ونحن نذكر هنا إن شاء الله دليل الوجوب، ثم أقوال العلماء في وجوب العمل بالراجح، ثم نرد على شبهة معارضة لوجوب الترجيح.
أولا: أدلة وجوب الترجيح بين الأقوال المتعارضة ووجوب العمل بالراجح منها:
الراجح هو الأقوى من بين الأقوال المتعارضة، وإنما يستفيد قوته ورجحانه بموافقته للأدلة الشرعية على الوجه الذي يعرفه العلماء في الترجيح بينها.
ودليل وجوب الترجيح: قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء: 59، وقوله تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10. فالواجب رد كل مافيه تنازع من الأدلة أو الأقوال المتعارضة إلى الكتاب والسنة لمعرفة الصواب من الخطأ فيها ولمعرفة ما يُقَدَّم منها وما يؤخر، وهذا الرّد هو الترجيح، وقد استدل المزني وابن تيمية - فيما يأتي من كلامهما - بهذه الآية على وجوب الترجيح.
ودليل وجوب الترجيح أيضا هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وهو حجة قطعية، فقد قدّموا حديث وجوب الغُسل عند التقاء الختانين على حديث الماء من الماء، مع أن الحديثين صحيحان، وغير ذلك مما عملوا فيه بالترجيح [1] .
واستدل ابن تيمية أيضا على وجوب الترجيح بقوله تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) الزمر: 55، وقوله تعالى (فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) الزمر: 17 - 18.
ذكر شيخ الإسلام هذه النصوص ثم قال] فإذا كان أحد الدليلين هو الأرجح فاتباعه هو الأحسن، وهذا معلوم. فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين [[2] .
ثانيا: أقوال العلماء في وجوب العمل بالراجح، ونقلهم الإجماع على ذلك.
1 -قال ابن تيمية رحمه الله]أجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول ٍ أو وجه من غير نظر في الترجيح [[3] .
2 -وقال أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله]واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقًا لقول ٍ أو وجه ٍ في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا تقيد ٍ به فقد جهل وخرق الإجماع، وسبيله سبيل الذي حكى عنه أبو الوليد الباجي المالكي من فقهاء أصحابه، أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا
(1) هذا ماقاله الشوكاني رحمه الله في (ارشاد الفحول) ص 254، ونقله بنصه عن الغزَّالي رحمه الله كما هو مذكور في (المستصفى) ج 2 ص 394
(2) (مجموع الفتاوي) ج 13 ص 114 - 115
(3) (الاختيارات الفقهية) لابن تيمية، جمع البعلي، تحقيق الفقي، ط دار المعرفة، ص 332