المسألة الثامنة عشرة: تجديد الاستفتاء إذا تكررت نفس الواقعة
قال النووي رحمه الله] إذا استفتى فأُفتِيَ ثم حدثت تلك الواقعة له مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ فيه وجهان: أحدهما يلزمه لاحتمال تغير رأي المفتي، والثاني لايلزمه وهو الأصح لأنه قد عرف الحكم الأول والأصل استمرار المفتي عليه، وخصص صاحب الشامل الخلاف بما إذا قلد حيا وقطع فيما إذا كان ذلك خبرًا عن ميت بأنه لايلزمه، والصحيح أنه لايختص فإن المفتي على مذهب الميت قد يتغير جوابه على مذهبه [[1] .
قلت: والذي أراه في هذه المسألة - والله تعالى أعلم بالصواب - أن تجديد الاستفتاء قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبا أو مباحا، على النحو التالي:
1 -فيجب تجديد الاستفتاء إذا حدثت له الواقعة التي علم حكمها من قبل، وذلك إذا كان المفتي الأول مقلدًا أفتاه تقليدًا لعجزه عن الوصول إلى غيره، ثم وجد عند تجدد الواقعة من يفتيه بالاتباع (أي بالدليل الشرعي) . لأن الواجب في حق المستفتي الاتباع وإنما تركه أولا للعجز فيجب عند تيسره، كما في المسألة الثالثة عشرة.
2 -ويستحب تجديد الاستفتاء إذا كان المفتي الأول مؤهلًا أفتاه بالاتباع ثم وجد عند تجدد الواقعة مفتيا أعلم وأوثق من الأول. وذلك لما ذكرناه في المسألة الخامسة من أن استفتاء الفاضل مع وجود المفضول مستحب لايجب إذا كانا مؤهّلَيْن.
3 -ويُباح تجديد الاستفتاء إذا لم يجد عند تجدد الواقعة إلا من أفتاه أولا، وهي الصورة التي ذكرها النووي وغيره، هذا والله تعالى أعلم.
(1) (المجموع) 1/ 57. وذكر ابن حمدان مثله في (صفة الفتوى) ص 82، وكذلك ابن القيم في (اعلام الموقعين) 4/ 261.
وصاحب (الشامل) - الذي ذكره النووي - هو أبو نصر ابن الصبَّاغ، من فقهاء الشافعية، ت 477 هـ، رحمه الله تعالى