فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 1285

المسألة السابعة: هل يجوز للمفتي أن يفتي نفسه وقريبه وعدوّه؟

وسبب إيراد هذه المسألة هو أنها من الفروق بين المفتي والقاضي، فلزم التنبيه. فكلاهما لايجوز له أن يفتي أو يحكم على خصمه وعدوِّه. ويفترقان في النفس والقريب، فيجوز للمفتي أن يفتي نفسه وقريبه ولايجوز للقاضي أن يحكم لنفسه وقريبه للتهمة.

قال ابن القيم[يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لاتقبل شهادته له، وإن لم يَجُز أن يشهد له ولايقضي له، والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية، فكأنه حكم عام، بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخص المشهود له والمحكوم له، ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها، ولكن لايجوز له أن يحابي من يفتيه فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشئ ويفتي غيرهم بضده محاباة، بل هذا يقدح في عدالته، إلا أن يكون ثم سبب يقتضي التخصيص غير المحاباة، ومثال هذا أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة والأجنبي بقول المنع.

فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه؟.

قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتُون» فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي غيره به، ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولايجوز له إذا كان في المسألة قولان قول بالجواز وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع] [1] .

هذا مايتعلق بالنفس والقريب، أما ما يتعلق بالخَصْم والعدو فقد قال ابن الصلاح [ووجدت عن القاضي الماوردي فيما جاوب به القاضي أبا الطيب الطبري عن ردِّه عليه في فتواه بالمنع عن التلقيب بملك الملوك مامعناه: إن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصمًا مُعاندًا تُرَدُّ فتواه على من عاداه، كما تُردُّ شهادته] [2] .

وبهذا ينتهي الكلام في هذا القسم (حكم الإفتاء) وبالله تعالى التوفيق.

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 210 - 211

(2) (أدب المفتي) ص 106 - 107. والقاضي أبو الطيب الطبري من كبار فقهاء الشافعية، عاصر الماوردي، وتوفي كلاهما عام 450 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت