إذا سُئل المفتي عما لايعلمه، فله حالان: إما أن لايكون مطالبًا بالجواب في الحال، أو يكون مُطالبًا بالجواب في الحال.
الحال الأولى: إذا لم يكن مُطالبًا بالجواب في الحال.
فله أن يؤخر الإجابة إلى حين النظر في المسألة إذا كان يرجو أن يدرك جوابها.
ودليله سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة في مسائل حتى يُوحَى إليه فيها، وقد بوَّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة في كتاب الاعتصام من صحيحه، في باب (ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري أو لم يُجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى(بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) النساء: 105 وفيه روى البخاري بسنده عن جابر قال (مَرِضتُ فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان وقد أَغميَ عَلَيَّ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صبَّ وَضوءَه عَلَيّ فأفقْت، فقلت: يارسول الله كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟. قال: فما أجابني بشيء حتى نزلت آيةُ الميراث) [1] . وروي البخاري عن ابن مسعود أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، قال ابن مسعود رضي الله عنه (فأمْسَكَ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَرُدَّ عليهم شيئا، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمتُ مقامي، فلما نزل الوحيُ قال(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) الإسراء: 85) [2] . وموضع الدلالة في الحديث الأول قول جابر رضي الله عنه (فما أجابني بشيء) ، وفي الحديث الثاني قول ابن مسعود رضي الله عنه (فأمْسَك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَرُد عليهم شيئا) .
وهكذا المفتي إذا كان يرجو أن يصل إلى الجواب يؤخر رقعة السائل إلى حين يفتح الله عليه. قال ابن الصلاح رحمه الله] وعن سَحْنون: أن رجلًا أتاه فسأله عن مسألة، فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال له: مسألتي أصلحك الله، لي اليوم ثلاثة أيام؟.
فقال له: وماأصنع لك ياخليلي؟ مسألتُك مُعضلة وفيها أقاويل، وأنا مُتحيِّر في ذلك.
فقال له: وأنت أصلحك الله لكل مُعضلة.
فقال له سنحون: هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبُذلُ لك لحمي ودمي إلى النار، ما أكثر مالا أعرف، إن صبرتَ رجوتُ أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تُجاب مسألتك في ساعة ٍ؟.
فقال له: إنما جئتُ إليك ولا أستفتي غيرك. فقال له: فاصبر عافاك الله. ثم أجابهُ بعد ذلك [[3] .
الحال الثانية: إذا كان مطالبًا بالجواب في الحال.
وهو لايعلمه، فإما أن يقول الله أعلم، أو يقول لا أعلم، أو يقول لا أدري، ولكل قول ٍ دليله.
1 -أما قول (الله أعلم) فدليله:
قول ابن مسعود رضي الله عنه (ياأيها الناس، من عَلِمَ شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلَم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ص: 86) [4] .
(1) (حديث 7309)
(2) الحديث (4721)
(3) (أدب المفتي) ص 81 - 82
(4) الحديث متفق عليه