فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 1285

أطفال اليوم هم رجال الغد بإذن الله، وبقدر العناية بهم في التعليم والتربية بقدر مايصلح حال المسلمين بإذن الله تعالى.

وقد ذكرنا مسئولية الرجل عن تعليم أهله وأولاده، والصبي لايعرف ماينفعه مما يضره في مستقبل أيامه في الدنيا والآخرة، ولهذا فمن الإحسان إلى الصبي إرشاده إلى ماينفعه وعلى رأس هذا تعليمه أمور دينه، وهذا واجب على ولىّ أمر الصبي كما سبق تقريره.

ومن الإحسان إلى الصبي التبكير في تعليمه، فإن العلم في الصِّغَر كالنَّقش على الحجر، ومع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب على الأولياء تعليم الأبناء الصلاة وهم أبناء سبع سنين، وقد سبق هذا الحديث وشرحه، إلا أن هناك أدلة بيَّنت أن الصبي قد يدرك العلم ويحفظه في سِنٍّ مبكرة عن هذا، وفي هذه المسألة أخرج البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه [ (باب متى يصح سماع الصغير؟) وروى فيه عن محمود بن الربيع رضي الله عنه قال (عَقَلْتُ من النبي صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابنُ خمس سنين من دَلْو) ] [1] .

وقال ابن حجر رحمه الله [قوله (عقلت) هو بفتح القاف أي حفظت، قوله (مَجَّةً) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمَجُّ هو إرسال الماء من الفم، وقيل لايُسمى مجًا إلا إن كان على بُعد. وفَعَلَهُ النبي صلى الله عليه وسلم مع محمود إما مداعبةً معه أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة - إلى أن قال - إن المقصود بلفظ السماع في الترجمة هو أو ماينزل منزلته من نقل الفعل أو التقرير. - إلى أن قال - وفي هذا الحديث من الفوائد غير ماتقدم جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبة صبيانهم، واستدل به بعضهم على تسميع من يكون ابن خمس، ومن كان دونها يكتب له حضور. وليس في الحديث ولافي تبويب البخاري مايدل على بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب سمع وإن كان دون ابن خمس وإلا فلا، وقال ابن رشيد: الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك، لا أن بلوغها شرط لابد من تحققه، والله أعلم. وقريب منه ضبط الفقهاء سن التمييز بست أو سبع، والمرجَّح أنها مظنة لا تحديد. ومن أقوى ما يتمسك به في أن المراد في ذلك الفهم فيختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبى عاصم قال: ذهبت بابني - وهو ابن ثلاث سنين - إلى ابن جريج فحدّثه، قال عاصم: لابأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو في هذا السن، يعني إذا كان فَهِمًا. وقصة أبى بكر بن المقري الحافظ في تسميعه لابن أربع بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة] [2] .

وقال النووي رحمه الله كلامًا قريبًا من هذا، فقال [ونقل القاضي عياض رحمه الله أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السّماع بخمس سنين، وعلى هذا استقر العمل والصواب اعتبار التمييز، فإن فَهِم الخطاب وردّ الجواب كان مُمَيِّزًا صحيح السماع وإلا فلا، ورُوي نحو هذا عن موسى بن هارون وأحمد بن حنبل] [3] .

والمقصود من ذكر هذه المسألة إرشاد الآباء وغيرهم من الأولياء إلى اغتنام بدء تمييز الصبي للمبادرة بتحفيظه القرآن والحديث، إما أن يعلِّمه ولي أمره بنفسه أو يرسله إلى مكاتب تحفيظ القرآن أو يُحضر له شيخًا يعلمه كيفما تَيسَّر ذلك، وأوصى أولياء الأمور أن يحرصوا على هذا سواء في أثناء العام الدراسي أو في الإجازات، ولا يتركوا أوقات فراغ أبنائهم تذهب سدى أو فيما يفسدهم من الاستماع إلى الملاهي ومشاهدتها، فإن الصبي يجهل مصلحته، وولي أمره مسئول عنه أمام الله تعالى (وكلكم راع ومسئول عن رعيته) . فإذا التزم أولياء الأمور بهذه الوصية قطعوا الطريق علي العلمانيين

(1) (حديث 77)

(2) (فتح الباري) ج 1 ص 173

(3) (التقريب) للنووي، ص 15، في النوع الرابع والعشرين (كيفية سماع الحديث)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت